إن التعريف العام للعنصرية يقول بأنها أي تصور فكري ينطلق من الاعتقاد بتفوق مجموعة بشرية على غيرها ثقافياً وحضارياً بناءاً على الاختلاف الجسماني كاللون والشكل أو ما يوصف بِ "العرق "Race، أي انه الاعتقاد بإمكانية تفسير الاختلافات الثقافية بين البشر من خلال إرجاعها إلى أسباب بيولوجية، اصلانية، موروثة وخارجه عن سيطرة الإنسان. ويعتمد هذا التفكير على اعتبار الأفراد المنتمين إلى عرق معين اقل ذكاء أو اقل بشرية من الآخرين. كما وينبثق عن هذا الاعتقاد أشكال ممأسسة ومنتظمة من التمييز والاضطهاد ضد أبناء المجموعات "العرقية" الأخرى. بالمقابل، يحمل أصحاب التصورات العنصرية شعورا بالأحقية واللاضير في ممارسة التمييز والاضطهاد ضد الآخرين. وقد حفل القرنان التاسع عشر والعشرين بسلسلة طويلة من الظواهر والتجليات التاريخية المرتبطة بشكل مباشر مع التصورات العنصرية كالعبودية، الاستعمار، التطهير العرقي، الهلوكوست، والابارتهايد. كما لا تزال هذه التصورات مصدر الهام لممارسات إجرامية ترتكب ضد الكثير من الشعوب اليوم.
قبل الدخول في التاريخ الثقافي، والاجتماعي- الاقتصادي ، والسياسي الذي أنتج التصورات العنصرية لابد لنا من توضيح الاشتقاق اللغوي للتعبير؛ لما في ذلك من أهمية لاختلاف التقاليد اللغوية التي أنتجت العنصرية عن التقاليد اللغوية العربية، ففي العربية تشتق الكلمة من عنصر بمعنى الأصل والحسب. أما مصطلح "عنصرية" فنقل من الكلمة الانجليزية "Racism" بحيث تتكون الكلمة من جزأين: الأول "Race" وترجم إلى العربية بمعني عرق أو سلالة بشرية، والثاني فهو الخاتمة اللغوية ism . وتعبير "Race" قريب في معناه الأولي من الترجمة "عنصر" أي الأصل الواحد والمشترك، حتى أن البعض يعتقد أن الكلمة من الأصل العربي "رأس". أما التابعة اللغوية ism فمعناها هنا الاعتقاد، بالتالي تصبح الكلمة "الاعتقاد بفكر العرقية أو وجود السلالات البشرية المختلفة والجسمانية الشكلية كمدخل لفهم الاختلاف الثقافي". وقد دخل التعبير إلى اللغة الانجليزية بمعناه السلبي في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي أي مع وصول النازية إلى الحكم.
للتأصيل للفكر العنصري، سوف أسلط الضوء على بعدين أساسيين: الأول هو الحداثة والعلم أي المجال الفكري والفلسفي في أوروبا القرن التاسع عشر، أما الثاني فيتعلق بالبنية الاقتصادية-السياسية أي الرأسمالية والظواهر المنبثقة عنها.
الحداثة والعلم:
إن احد أهم المنطلقات الفكرية للعنصرية كانت النظريات العلمية المنتجة في القرن التاسع عشر، ومنها تقسيم الجنس البشري إلى أعراق بيولوجية مختلفة كطريقة لتحليل الاختلافات السلوكية والثقافية. ويعتبر توظيف نظرية التطور أولى النظريات التي تم استخدامها من قبل الفلاسفة والانثروبولوجين في عمليات التصنيف العرقية. جادل "تشارلز داروين" (في كتاب أصل الأنواع) أن التطور البيولوجي للأنواع الحية يأتي نتيجة الانتخاب الطبيعي مما يمكن نوعاً معيناً من البقاء والاستمرار بينما تنقرض الأصناف الأخرى. بناء على هذا التصور قام "هيربرت سبنسر" بنحت فكرة "البقاء للأصلح" التي اعتمد عليها من لحقه من المفكرين في بناء التصورات الداروينية الاجتماعية والتي تقوم علي فكرة تفوق جماعة ثقافية واجتماعية على آخرى بناء على صلاحها وقدرتها على البقاء وسيطرتها على الطبيعة. وقد تعقدت هذه الفرضيات من استمرار عمليات التصنيف للجنس البشري إلى أعراق، حيث أخذت التصورات العنصرية تعتمد في بنائها على السلطة العلمية للعلم. كما أصبح التصور عن الفروق الجسمانية احد الأدوات المنهجية في التقسيم العرقي مدخلا من اجل تبرير تقسيم العالم إلى بشر أو أشباه بشر وغير بشر. ففي التصور الذي اعتمد النظرية التطورية بشكل تبسيطي وخطي، اعتقد وآمن بأن الأوربيين هم أعلى الأعراق في سلم التطور البيولوجي والحضاري، بينما تنتمي الأعراق الأخرى إلى رتبة اقل وبعضها اقرب إلى الحيوان منها إلى الإنسان. منذ ذلك الوقت، أخد الفكر التطوري يدخل أكثر فأكثر في عمليات التفسير الانثربولوجي للثقافة والتحولات الثقافية، حيث اعتمد "لويس هنري مورجان" على التصورات التطورية من اجل تقسيم التاريخ البشري إلى مراحل، كما اعتمد "فريدريك انجلز" في فهمه للتاريخ على "مورجان" (في كتابه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة). أيضا بنى "إيمانيول كانت" (احد رموز التنوير والحداثة الغربية) تصورات قريبة في فلسفته حول البشرية والأعراق المختلفة. أما "هيجل"، فضمن الكثير من الرؤى التطورية في قراءته للتاريخ. كما اعتمد الفكر الماركسي -التبسيطيون من مفكريه- على الحتمية التطورية للمجتمع البشري بصورة خطية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفكر التطوري والتقسيم العرقي ارتبطا مباشرة بمرحلة الحداثة الفلسفية التي اعتمدت في الأصل على التخلص من الرؤى الميتافيزيقة (اي الأصل الواحد للبشرية والنزول من الجنة كما في الديانات الإبراهيمية) واستبدالها بالعلم الطبيعي -الفيزيائي- كأداة لتفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية. كما أنها أعطت العلاقة بين الإنسان والطبيعة بعدا أساسيا يقوم عليه التطور وهو قدرة الإنسان علي السيطرة على الطبيعة والذي أصبح المعيار لقياس مدى التطور. بالتالي، أصبح الأوروبي يعرقن الآخرين -أي يصنف البشرية على أساس العرق- في هرمية تعتمد تفوقه ونظرته المتمركزة حول الذات في الاجتماع والتاريخ وتفسير السلوك والثقافة.
الرأسمالية، القوميات، التوسع الاستعماري:
لا يمكن فصل الرأسمالية كنمط إنتاج ومرحلة تاريخية عن نشوء الأفكار المبنية على العرقية ونشوء القوميات-العرقية/الاثنية. رغم أن "ميشيل فوكو" يؤرخ لاستخدام فكرة وخطاب الأصل الواحد كوسيلة رئيسية من قبل البرجوازية الصاعدة -في الثورة الانجليزية والفرنسية- لمحاربة الملكية المطلقة والنبلاء، إلا أن هذا الخطاب الخاص سرعان ما توحد مع التصورات "العلمية" وبداية إنتاج أفكار انتماء الشعب إلى أصل واحد والإيمان بالتفوق على الشعوب الأخرى. وقد قاد هذا الاتجاه الفكري إلى نشوء القوميات- الاثنية التي تعتقد بأصل واحد لشعب ما، وبالتالي تحولت العنصرية من منظومة أفكار علمية الطابع وفلسفية إلى إيديولوجيا (معرفياً علينا أن نفرق هنا بين العرق كتصوير بيولوجي وبين الأصل لشعب ما أي التفريق بين Race and folk ) ).
لقد وجدت الرأسمالية الأوربية ضالتها في الخطاب العنصري-الاعراقي عندما تحولت إلى استعمار ثلاثة أرباع العالم. فبهذا الخطاب لم تجد ضيراً في عملية القهر والاستبداد والتطهير العرقي والقتل الجماعي للملايين من البشر كونهم ليسوا بشراً، أو أنهم بشر لكنهم غير متساويين مع الأوروبيين. في أحسن الأحوال تعامل الاستعمار مع الشعوب كمتخلفين ثقافيا امتداداً لتخلفهم البيولوجي، ولنأخذ مثلاً نظرية "عبء الرجل الأبيض" والقائلة بمسؤولية الرجل الأبيض (عرق/طبيعة) عن تمدين (ثقافة/بيئة) الأعراق الأخرى، وهنا نرى الخلط والربط بين العرق ومفهوم الثقافة، بحيث يصبح التمييز بينهما صعبا خاصة عندما يصاغان ضمن تصور إيديولوجي. وهنا لا بد من التذكير أن النازية الألمانية إحدى أعلى تجليات التصورات العنصرية-الاعراقية والتي راح ضحيتها ملايين البشر، إلا انه كما لا يمكن فصل العلم عن الرأسمالية والاستعمار ونشوء القوميات، لا بد من التذكير أن مدى القتل الذي حصل في القرن العشرين زاد باضطراد مع التطور التكنولوجي لأدوات القتل.
لقد طالعنا العلم في نهاية القرن الماضي بعلم الجينات، وقد حاول الأيدلوجيين العنصرين في جنوب أفريقيا والصهاينة الاستفادة من هذا العلم لإنتاج أسلحة عرقية (أي تستهدف عرقاً بعينه) إلا أنهم فشلوا في ذلك، فقد أثبتت كل الأبحاث الحديثة أن نظريات الاختلاف الجيني بين الأعراق غير صحيحة. وان أي تصور قائم على العنصرية هو تصور باطل معرفياً وعلمياً بل هو جريمة ضد الإنسانية.
لإجمال ما سبق، إن التصورات العنصرية هي صناعة اجتماعية ونتاج للبنى الاقتصادية – السياسية، أي الرأسمالية والاستعمار والثقافية-الفلسفية بما فيها العلم والتنوير المنتج من أوروبا في القرن الثامن والتاسع عشر. وهنا لابد من توضيح انه وعلى الرغم من أن اليهود كانوا من الضحايا الرئيسيين للتصورات العنصرية الأوروبية البيضاء، إلا أن الحركة الصهيونية استدخلت التفكير العنصري من حيث نظرتها إلى وتصويرها للجماعات اليهودية كعرقية/اثنية واحدة صافية الأصل بيولوجياً، كما رأت نفسها حصنا أوروبيا ابيض في مواجه الثقافة العربية التي تعتبر دونية في التصور الاستشراقي الغربي، بحيث أنتجت نفس التصورات العنصرية في تصوير الثقافة العربية، إضافة إلى دورها في الاستعمار كممارسة مباشرة ورأس حربة للدول الامبريالية، بالتالي تعتبر الصهيونية نموذج حي على الأصول الفكرية والممارساتية للفكر العنصري.
* محاضر في الانثربولوجيا وعلم الاجتماع في جامعتي بيرزيت وبيت لحم.



