وقبل أن تتكلل الثورة الفرنسية بنجاح وتنتشر أفكارها في جميع أنحاء أوروبا- من خلال نجاح الحملات الأولى لنابليون في احتلال أجزاء واسعة من أوروبا - كانت معادة اليهود مستندة إلى حجج لاهوتية في المقام الأول؛ وحتى ذلك الوقت، كانت المهن الرئيسية التي سمح لليهود بأدائها هي الاستثمار المالي والبيع الجوال/ المتجول. ولكن نابليون الذي كان مؤمنا حقا بأفكار الثورة، وبالتالي قام بنشر فكرة انعتاق اليهود؛ ومن خلال ذلك، أصبحت مهن جديدة متاحة لليهود في معظم بلدان أوروبا خلال القرن التاسع عشر. بروز هؤلاء المنافسين الجدد في النشاط الاقتصادي، حيث لم يكن اليهود حاضرين في السوق حتى ذلك الوقت، أدى إلى ظهور مشاعر عدم اليقين الاقتصادي في أوساط أولئك الذين شعروا بالتهديد من القادمين الجدد، وهذه المشاعر بدورها، قد تؤدي إلى الخوف من تغيير أسلوب الحياة، وبالتالي تتحول لمشاعر كراهية نحو الذين تسببوا في هذا الخوف، وهم اليهود. لذلك، منذ منتصف القرن التاسع عشر تقريبا وصاعدا؛ أصبحت الحجج الاقتصادية بالتدريج أكبر أهمية في تعزيز المشاعر السلبية تجاه اليهود وحتى كراهيتهم.
القومية والحروب النابليونية: تجاوز التأثير الكبير لنابليون على تاريخ أوروبا أبعد بكثير من فكرة انعتاق اليهود. وفي الواقع، ونظرا لقيام فرنسا باحتلال وغزو أجزاء من أوروبا؛ ظهرت في العديد من البلدان الأوروبية
مشاعر جديدة في أشكال أكثر تطرفا، وهي القومية ، ومعها ولدت فكرة القرن التاسع وهي الدولة القومية. ولم تعنِ القومية المولودة حديثا بأن كل مواطن يمكن استدعاؤه للدفاع عن حدود الدولة الذي هو من رعاياها فحسب؛ بل تم طرح مفهوم جديد، وهو مفهوم العرق؛ وكان على هذا المفهوم أن يذهب بعيدا في تاريخ المنطقة وطبيعتها، اللغة والعرق الذي ينتمي له السكان الأوائل. جلب هذا إلى الوجود قدرا لا بأس به من كراهية الأجانب في كل مكان تقريبا، وانتشرت شعارات مثل: فرنسا للفرنسيين، ألمانيا للألمان، وحتى شعار مثل بريطانيا للبريطانيين كان يتردد بين الحين والآخر، هذا على الرغم من كون الشعار الأخير متناقض ومثير للجدل أكثر من غيره، بسبب الطبيعة المختلطة جدا لسكان الجزر البريطانية منذ تاريخ مبكر.
حقول جديدة للأبحاث العلمية: إلى جانب تأثير الثورة الفرنسية، انطلقت قبل نهاية القرن الثامن عشر حركة نشطة جدا في مجال البحوث العلمية المؤثرة والنشطة جدا، واشتملت على حقول علم الأحياء، وعلم الإنسان وفقه اللغة. وجميع الحقول الثلاثة، وإن كان ذلك من خلال تفسيرات مأساوية لأفكار علمية قيمة جديدة؛ كان لها تداعيات اجتماعية غير متوقعة في نهاية القرن التاسع عشر.
حيث قاد الحقلان الأولان، علم الأحياء وعلم الإنسان؛ في النهاية إلى نظرة علمية لمختلف الأجناس البشرية، وإلى دراسة أهم الاختلافات بين تكوينهم الداخلي (التشريح) وملامحهم الخارجية (المظهر)، وقاد ذلك في النهاية؛ إلى ارتكاب خطأ قاتل، من خلال الربط بين هذه الاختلافات باختلافات في السلوك (علم النفس) والشخصية. وبهذه الطريقة، تم ربط الأجناس البشرية (الأعراق) "علميا" بتصنيفات عن وجود أجناس متفوقة (أو عليا) وأخرى أقل درجة أو دونية. وبهذه الطريقة؛ فإن الاستعمار الذي كان موجودا بالفعل منذ نهاية القرن الخامس عشر، قد حصل على دعامات واهية باسم "العلم"، وبالتالي، كان من الممكن استغلال البشر الآخرين من قبل العنصر الأبيض بدون أي أثر لمشاعر الذنب.
وفي الحقل الثالث من دروب العلم التي تقدم ذكرها، والتي أنتجت اكتشافات في غاية الأهمية منذ نهاية القرن الثامن عشر في مجال فقه اللغويات. ومن أجل هدفنا هنا؛ علينا التركيز على أحد الفروع البارزة في هذا الحقل؛ وهو الاكتشاف والتحليل العميق لمجموعة اللغات الهندو- فارسية، هذه المجموعة وفقا للكلمة القديمة إيرانية، أي الآرية، تسمى أيضا مجموعة (عائلة) اللغات الآرية. وتم تأكيد وجود هذه المجموعة من وجهة نظر علمية راسخة، وتنبع أهميتها من حقيقة أن معظم اللغات الأوروبية الموجودة حتى اليوم، ومن ضمنها اللغات "الكلتية" Celtic المنتمية لهذه المجموعة. والاستثناءات الأكثر أهمية هي اللغات الفنلندية، الهنغارية ولغة الباسك. وكان هناك اعتقاد عام لدى فقهاء اللغة، ولكنه أقل عمقا من الناحية العلمية؛ بأن السنسكريتية الشبيهة جدا بالإيرانية المبكرة، هي العضو الأول في مجموعة اللغات الآرية. وهنا مرة ثانية، تم ارتكاب خطأ فادح ومأساوي؛ من خلال الاعتقاد بأن اللغة الإيرانية الأولى كانت محكية من قبل أناس ينتمون لعرق واحد، هو في الحقيقة، الجنس الآري. والنتيجة الإجمالية لهذا الهراء، جرى التعبير عنها بسهولة من خلال النظر للجزر البريطانية، حيث يتحدث الجميع اللغة الانجليزية، ولكن قد يكون لهم أجداد تحدثوا الكلتية، أي الويلزية، الاسكوتلندية، والبريتونية، وأيضا قد يكونوا جرمانيين، أي انجليز (آنجلو) وساكسون. وبسبب تأثير المسيحية في أوروبا، كان هناك تقليد سائد؛ بأن اللغة الأقدم على وجه الأرض قد تكون اللغة العبرية، وهي اللغة التي تنتمي إلى عائلة لغوية مختلفة تماما هي عائلة اللغات السامية. وعليه، تم اختلاق أسطورة العرق الآري الذي سيكون مناظرا للعرق السامي، وتم اعتبار اليهود منتمين للعرق الأخير. ونحن نعلم الآن أن هذا هراء محض، وأن اليهود مختلطين للغاية من الناحية الوراثية. فالبنسبة ليهود أوروبا الشرقية كانوا على الأغلب يظهرون أن أصولهم تعود بشكل رئيسي إلى شعب الخزر التي لم تعد موجودة، وهو شعب قريب عرقيا من الأتراك، كان قد استقر في منطقة واسعة شمال-غرب بحر قزوين. أما بالنسبة لليهود من شبه جزيرة ايبريا؛ فيبدو أن أصولهم العرقية تعود إلى البربر.
وباء معاداة السامية: هذه الأخطاء القاتلة تم استخدامها في المقام الأول لدعم مزاعم زائفة علميا لتبرير الأحكام المسبقة المتحيزة – أو الكراهية ضد اليهود؛ فقد انتشرت في حقبة ما بعد الثورة الفرنسية الحجج
اللاهوتية المحضة التي يمكنها إقناع الناس بأن اليهود من درجة وضيعة؛ وجرى استخدام تلك الحجج بنجاح لدعم موجة غاضبة ومسمومة من معاداة السامية، في العديد من البلدان الأوروبية خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. وهذه كانت فكرة جديدة مختلفة عن معاداة اليهود، حيث تم تقديمها للمرة الأولى عام 1879؛ هذا الغضب لم يؤثر فقط على كل من روسيا، النمسا وألمانيا، بل أيضا، وبما ينطوي عليه من تناقض، أثر بطريقة فظيعة في فرنسا، البلاد التي خرجت بفكرة انعتاق اليهود؛ حيث الحادثة الصعبة المعادية للسامية، والتي استمرت منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى عام 1906، وهزت في حينها فرنسا وأجزاء واسعة من أوروبا، والتي سميت بقضية "درايفوس"؛ نسبة إلى "الفرد درايفوس"، الضابط اليهودي في رئاسة الأركان الفرنسية، والذي جرى اتهامه بناء على أوراق مزورة بأنه جاسوس لصالح ألمانيا.
ولا زالت تداعيات وآثار هذا التزوير محسوسة كل يوم في عصرنا هذا. فالحقيقة هي أن فكرة وجود منظمة صهيونية عالمية ولدت في البداية في شخص واحد، وهو ثيودور هرتسل، الذي كان صحفيا من فيينا، وأقام في فرنسا من اجل تقديم تقارير حول هذه العملية الشهيرة. ومع أنه كان عميق الفهم ويعرف القليل عن الديانة اليهودية، فقد روعته موجة معاداة السامية التي اجتاحت فرنسا، وهكذا؛ وبدون الكثير من المعرفة، بدأ في التفكير حول ما يمكن أن يكون سبب هذه المعاداة الرهيبة للسامية، وبعد ذلك خرج بهذه الفكرة المجنونة تماما، وهي أن هذه اللعنة ناجمة عن حقيقة أن اليهود عاشوا في جميع بلدان العالم تقريبا، وليس لهم بلاد تخصهم؛ وهذا يعني أنه تأثر بشكل عميق بالأفكار السيئة في أواخر القرن التاسع عشر، وهي: القومية، الاستعمار والعنصرية؛ حيث اعتقد أن دولة خاصة باليهود من شأنها أن تحل مسألة معاداة السامية. وكم تبدو هذه الفكرة خاطئة تماما عند النظر لحقيقة وجود دولة كبيرة للشعب الصيني، تسمى الصين، ولكنها لم تمنع وقوع مذابح ضد التجار الصينيين في إندونيسيا بعد الحرب العالمية الثانية.
شعب الله المختار وأرض الميعاد: لقد كانت مصادفة محزنة جدا أن العديد من الأفكار السيئة لأواخر القرن التاسع عشر تلاءمت جيدا مع الصورة التي تطرحها بعض الأجزاء الكارهة للأجانب في العهد القديم حول ما
يسمى بالشعب اليهودي، وفي الواقع، وخلال المؤتمر الصهيوني الأول في بازل، حيث قدمت أفكار اليهود التقليديين الروس والتي كانت شبيهة بأفكار هرتسل؛ وبالمقارنة مع أفكار هرتسل؛ كانت أفكارهم مستندة حول ما جاء في التوراة، عن اليهود وعن دورهم بوصفهم شعب الله المختار. كان هناك اختلاف آخر بين أفكار هيرتسل وأفكار اليهود الروس، فالنسبة لهم كانت هناك بلاد وحيدة يمكن اعتبارها بلاد اليهود الجديدة، وهي فلسطين؛ لأنها البلاد التي وعد الله بها اليهود وفقا للتوراة؛ لكن هيرتسل كان قد اقترح جديا إمكانية تأسيس دولة يهودية في مكان ما في كينيا/أفريقيا، وهو عرض قدم له من قبل الحكومة البريطانية عام 1903. ومع التأثير الكبير لليهود التقليديين الروس؛ جرى بسرعة استبعاد جميع الاقتراحات بإقامة الدولة اليهودية في أي مكان آخر غير فلسطين. وبهذه الطريقة، فإن أفكار هرتسل السيئة من القرن التاسع عشر تم تعزيزها بقوة بأفكار كراهية وقومية متشددة من العهد القديم، والتي يمكن العثور عليها في "سفر يشوع" كمثال.
الصهيونية المسيحية الأصولية: مع كل الأسف؛ فإن هذا التضخيم لأفكار نهاية القرن التاسع عشر من خلال أفكار قديمة جدا، وعلى الأقل أفكار "سيئة" من التوراة سيكون له جولة مد أخرى، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية؛ ومن خلال أفكار ونشاطات الصهاينة المسيحيين الأمريكيين، الذين اعتمدوا على تفسيرات معينة لتشريعات في "سفر الرؤيا" من العهد الجديد، حيث أصبح الصهاينة الأكثر تشددا وتعصبا؛ ويقومون هذه الأيام بإرسال كميات كبيرة من الأموال لإسرائيل؛ بهدف دعم المستوطنين التوسعيين الأكثر عدوانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، ويقوم هؤلاء المستوطنون بدورهم في تنفيذ المذابح ضد الفلسطينيين والتضييق عليهم، بينما يبررون أعمالهم مستشهدين بنصوص من العهد القديم. وبهذه الطريقة الغريبة؛ يجري توحيد الأفكار السيئة للقرن التاسع عشر، مع نصوص سيئة في العهدين القديم والجديد؛ من قبل هؤلاء العدائيين المتعصبين من المستوطنين الصهاينة، والمدعومين بأموال الأصولية المسيحية، الذين يقومون بالاعتداءات والمذابح ضد المواطنين الفلسطينيين.



