BADIL

  • increase font size
  • Default font size
  • decrease font size
Home Haq Al-Awda جريدة حق العودة - العدد 35 ما هو المطلوب، تعريف الصهيونية أم مواجهتها عمليا؟

ما هو المطلوب، تعريف الصهيونية أم مواجهتها عمليا؟

بقلم: ميخائيل وارشوفسكي*

لا يستطيع المرء الحديث عن الصهيونية ومنتجها (إسرائيل)، أو تحليلهما، بينما يتهرب من صميم جوهرهما، وهو الاستعمار. وبصرف النظر عن الدوافع المعلنة للحركة الصهيونية حول (حل المسألة اليهودية في أوروبا الشرقية في مطلع القرن العشرين)؛ فالصهيونية حركة استعمارية أنتجت دولة استعمارية، وفي الحقيقة، إن إسرائيل هي واحدة من آخر الدول الاستعمارية، التي لا زالت قائمة في القرن الواحد والعشرين.

 

الصهيونية حركة استعمارية في غايتها وفي معانيها: فهي مشروع غربي استهدف "نقل الحضارة" إلى جزء من الشرق المتخلف، جلب الحداثة، التقدم وبعد ذلك بكثير؛ الديمقراطية.

الصهيونية هي استعمار ذو طبيعة خاصة يختلف عن معظم ما جرى من استعمار في بلدان الشمال أو شبه الصحاري الأفريقية. ولكنها أشبه بأستراليا وأمريكا الشمالية؛ إنها مشروع استيطان استعماري، وهي على هذا النحو؛ تهدف إلى استبدال (وليس بالضرورة استغلال) السكان الأصليين بمستوطنين جدد؛ من خلال الطرد التدريجي.

وإسرائيل دولة استعمارية ليس بسبب أصلها فقط، بل بسبب طريقة عملها أيضا؛ حيث يجري تصميم قوانينها وممارساتها في إطار غايتها لبناء وتقويم وتعزيز الطابع اليهودي؛ فالـ"التهويد" و"الدولة اليهودية" ليست مفاهيم ثقافية، وإنما مشروع ديمغرافي؛ يعني طمس عروبة فلسطين، وتخفيض عدد السكان غير اليهود في الدولة اليهودية إلى أقصى حد ممكن. وقد كانت شعارات "تحرير الأرض"، "العمل اليهودي" و"المنتجات اليهودية" هي الشعارات الرئيسية للمشروع الصهيوني في فلسطين، وهي جميعها تعكس المحاولة الشاملة لإزالة الطابع العربي لفلسطين.

وحتى بعد تأسيس دولة إسرائيل ولغاية اليوم؛ مضت سياسة التهويد في تكريس التمييز البنيوي ضد "الأقلية" العربية الفلسطينية التي نجحت في البقاء داخل حدود الدولة اليهودية، ونجحت في الاستمرار في سياسة مصادرة الأراضي؛ وهذه براهين حية؛ على حقيقة أنه لم يكن هناك "تطبيع لإسرائيل" (بمعنى جعلها موافقة لبيئتها ومحيطها العربي - الشرق أوسطي)؛ وبأن طبيعتها الاستعمارية العدوانية هي جزء لا يجزأ من طبيعتها وجوهرها. فأن تكون دولة يهودية يعني أن تكون في حرب دائمة مع كل شيء غير يهودي من الناحية الديمغرافية في إسرائيل؛ وهي حرب عنصرية دائمة.

والعنصرية الصهيونية هي حصيلة ثانوية ضرورية للطابع الاستعماري لدولة إسرائيل؛ فليس من الضروري أن تكون العنصرية فلسفة "عرقية"، تفترض تفوق جماعة بشرية على أخرى، كما كانت العنصرية النازية على سبيل المثال. فالعنصرية الحديثة هي مجرد اتجاه لـ"تجاهل/رفض الآخر". فقد كانت الشعارات المركزية للصهيونية المبكرة، هي: "ارض بلا شعب لشعب بلا أرض"، "كانت البلاد خالية"؛ وهي شعارات الاستعمار النموذجية، ويمكن للمرء أن يقول أن الموقف الاستعماري تجاه الشعوب الأصلية كان مقززا، حيث يرى فيهم مجرد مشكلة بيئية؛ مثل البعوض، المستنقعات أو الصخور، كشيء يجب استئصاله من أجل السماح للحضارة أن تتطور. لقد كان عرب فلسطين بسطاء بوصفهم مجتمعا إنسانيا، وبهذا المعنى؛ تكون الصهيونية عنصرية تقوم على إنكار إنسانية الانسان، العنصرية الصهيونية هي النسخة المبتذلة للعنصرية الغربية تجاه ما هو غير أوروبي.

إن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 الذي عرف الصهيونية باعتبارها شكلا من أشكال العنصرية؛ أشار فقط إلى الحقيقة الأساسية وهي أن دولة الاستعمار الصهيوني هي عنصرية في جوهرها وتصرفاتها.

ومع ذلك؛ أعتقد أن ذلك القرار كان خطأ سياسيا كبيرا، فدور القرار السياسي لا ينبغي أن يكون تقديم التعريفات أو تعريف الحقائق؛ وإنما اتخاذ قرارات حول الفعل الذي يجب القيام به؛ فتعريف الحقائق يجب أن يظل وظيفة الخبراء المتخصصين وللنقاش العلمي المتواصل والمفتوح، وليس للتصويت. فالاستعمار هو عنصرية؛ سواء وافقت على ذلك أغلبية من الدول أم لا، والدليل على أن ذلك التصويت كان خاطئا؛ جاء بعد ذلك بستة عشر عاما، في عام 1991؛ عندما قامت نفس الجمعية العامة للأمم المتحدة بالعدول عن تصويتها السابق، وقررت أن الاستعمار الصهيوني ليس عنصريا! إن هذا السلوك هو طريقة رائعة للعودة إلى العصور الوسطى عندما كان على جمعية الكرادلة (رؤساء الأساقفة) أن يتخذوا قرارا من خلال التصويت حول: هل لليهودي روح؟ أو هل الأرض مستوية؟ من الواضح أن نتائج مثل هذا التصويت لن تغير في الحقائق شيئا... فدور المؤسسات السياسية هو اتخاذ قرارات بالأفعال التي يجب القيام بها، وليس في تقرير طبيعة الحقائق.

إن أفضل فكرة ينبغي للجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أن يقوما بها – وللمرء الحق أن يحلم!- هي أن تقوما هذه الأيام بتبني قرارات مبنية على أساس الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها BDS))؛ تقضي بمعاقبة دولة إسرائيل؛ بسبب انتهاكاتها التي لا حصر لها للقانون الدولي ومقررات الأمم المتحدة.

والحاجة لاتخاذ عقوبات ضد دولة إسرائيل تنبع من ثلاثة اسس؛ أولا، من أجل تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، الذي قدم التنازلات الكثيرة والمؤلمة جدا تحت ضغط المجتمع الدولي، وبمقابل ذلك حصل على المزيد من القمع والمزيد من الحرمان والإهانات. ثانيا، وباعتبار ذلك قضية تتعلق بصحة العالم اجمع؛ أي إذا أردنا أن نعيش في عالم محكوم بالقانون والنظام، وليس في غابة، وربما هذا هو الواقع، فيجب أن لا يكون هناك حصانة لإسرائيل لكي تفلت من العقاب، بل يجب معاقبتها على جرائمها. وأخيرا وليس آخرا، من أجل مصلحة الإسرائيليين أنفسهم كمجتمع.

* كاتب وصحافي، نتشط بارز في حركة مقاومة الاستعمار، وعضو مؤسس لمركز الدراسات البديلة.