BADIL

  • increase font size
  • Default font size
  • decrease font size
Home Haq Al-Awda جريدة حق العودة - العدد 35 التمييز العنصري المؤسسي في إسرائيل وجنوب أفريقيا

التمييز العنصري المؤسسي في إسرائيل وجنوب أفريقيا

بقلم: أدري نيوهوف وبانغاني نجيليزا

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1965 اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (CERD)، وتُعَرِف هذه الاتفاقية التمييز العنصري بوصفه "أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، علي قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة. ويوجد التمييز العنصري المؤسسي عندما يتجلى في قوانين وأنظمة الدولة والمؤسسات الرسمية؛ وقد طورت الحكومات المتعاقبة في كل من إسرائيل وحكومة جنوب أفريقيا البيضاء منذ عام 1948 نظاما من القوانين والسياسات التي تغلغلت عميقا في حياة السكان الأصليين في مجالات حيازة الأراضي والملكية، الإقامة، الزواج والحياة العائلية، العمل، التعليم والصحة، وحرية الحركة والتنقل.

 

بعد اكتشاف الذهب في "ويتووترستراند"؛ حارب البريطانيون بنجاح ضد "البوير"، أحفاد الهولنديين، في جنوب أفريقيا خلال الأعوام 1899-1902، وقام البرلمان البريطاني باعتماد دستور لاتحاد جنوب أفريقيا عام 1909 وتم الإعلان عن ذلك الاتحاد في العام التالي. ومثل هذا الاتحاد تسوية للخلافات بين البريطانيين والبوير؛ حيت كلاهما جماعتان استيطانيتان. وتبع ذلك تهميش تدريجي للسكان الأصليين من خلال اعتماد وسائل وسياسات متنوعة؛ بما فيها عن طريق سن قانون الأراضي في عام 1913، حيث أعلن ذلك التشريع عن 87% من أراضي جنوب أفريقيا "أراضٍ بيضاء"، وبذلك دفع أبناء الغالبية السوداء إلى خارج أراضيهم وحصرهم في 13% من الأراضي الأكثر هامشية في البلاد.

وصل الحزب الوطني للسلطة في عام 1948؛ وقام بالمزيد من إضفاء الطابع الرسمي والمزيد من المأسسة على الممارسات الواسعة للتفرقة العنصرية؛ من خلال سن قوانين عنصرية جديدة؛ مثل قانون تسجيل السكان (1950)؛ حيث نتج عن هذا القانون تصنيف رسمي للسكان إلى أربعة مجموعات عرقية: بيض، هنود، ملونين وأفارقة، وقانون الزواج المختلط (1949)؛ وقانون الآداب (1957) الذي يحظر الزواج والعلاقات التي تخترق خطوط الفصل العنصري على التوالي. استخدم "الوطنيون" [نسبة للحزب الوطني العنصري الحاكم- المترجم] قانون الأراضي المذكور أعلاه كأساس من أجل تطبيق سياسات ضبط ومراقبة تدفق السكان خلال سنوات الستينيات. وكان الهدف من ذلك هو تقليص عدد السكان الأصليين السود الأفارقة في 87% في أراضي البلاد التي تم تعيينها بوصفها "جنوب أفريقيا البيضاء"؛ كما فرض قانون المناطق الجماعية لعام 1955 حظرا على الأفارقة يمنعهم من التواجد في جنوب أفريقيا (البيضاء) لأكثر من 72 ساعة بدون تصريح رسمي، وقامت مكاتب العمل بمطابقة العمال الأفارقة مع أعمال محددة، ومنحتهم التصاريح الرسمية للعمل والعيش في بلدة بعينها؛ حيث قيد قانون المناطق الجماعية حقوق المواطنة للأفارقة السود وحصرها في 13% من الأراضي الأكثر فقرا في جنوب أفريقا، التي عرفت بـ"البانتوستانات".

وجرت متابعة سياسة مراقبة وضبط التدفق السكاني من خلال عمليات الترحيل القسري. على سبيل المثال، في العام 1955؛ وبعد صدور قانون المناطق الجماعية؛ تم طرد أكثر من 600,000 من السكان الأفارقة الأصليين من "صوفياتاون"؛ التي كان الناس من مختلف الأعراق يعيشون فيها بسلام لسنوات طويلة. فقد حدد قانون المناطق الجماعية "صوفياتاون" باعتبارها منطقة بيضاء فقط؛ مما جعل الإقامة فيها غير قانونية للأشخاص من الأعراق الأخرى ما عدا البيض. وتم إلقاء الأفارقة في مقاطعة سويتو؛ وهي مجموعة من البلدات تم تعيينها باعتبارها مناطق للسود؛ والتي كانت بمثابة احتياطي للأيدي العاملة لجوهانسبرغ التي تبعد عشرة كيلومترات فقط. خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات؛ نفذت عمليات ترحيل قسري لأكثر من 3.5 مليون أفريقي من أراضيهم وأملاكهم، وجرى بين عامي 1966 و1975 محاكمة 5.8 مليون أفريقي بموجب القوانين المقيدة لحرية الحركة.

في الرابع عشر من أيار 1948، وهو ذلك اليوم الذي انتهت فيه صلاحية الانتداب البريطاني على فلسطين؛ تم الإعلان عن "تأسيس دولة يهودية في "أرض إسرائيل"، لتعرف باسم دولة إسرائيل". إسرائيل هي واحدة من الدول القليلة التي ليس لها دستور، واعتمدت بدلا من ذلك مجموعة من القوانين الأساسية، وفي عام 1985؛ تم إعادة التأكيد في الكنيست الإسرائيلي على طابع إسرائيل باعتبارها دولة يهودية؛ عندما صادقت الكنيست على قانون أساس يمنع الأحزاب السياسية من المشاركة في الانتخابات إذا كانت تعارض "وجود دولة إسرائيل بوصفها دولة الشعب اليهودي". وبكلمات أخرى، فإن أولئك الذين يريدون الدولة أن لا تكون لليهود فقط؛ وإنما دولة لجميع مواطنيها، لا يمكنهم المشاركة في الانتخابات.

وتماما مثل جنوب أفريقيا؛ تبنت إسرائيل قوانين وسياسات تهدف لحرمان السكان الأصليين من الوصول إلى أراضيهم وأملاكهم. قدرت لجنة الأمم المتحدة للتوفيق (لجنة التوفيق الدولية بشان فلسطين) أن حوالي 80% من أراضي إسرائيل هي أملاك صودرت من الفلسطينيين. ولا يزال الفلسطينيون ممنوعين بموجب القانون الإسرائيلي من امتلاك أو تأجير أراضيهم. وهذه الأيام؛ يمتلك فلسطينيو إسرائيل حوالي 3% فقط من الأراضي في إسرائيل؛ وذلك كنتيجة لعمليات تجريد الفلسطينيين المتواصلة من أراضيهم بموجب التشريعات الإسرائيلية العنصرية.

وكان قانون العودة لعام 1952 أداة بيد إسرائيل لترحيل المواطنين الفلسطينيين من أراضيهم. يمنح هذا القانون "كل يهودي، أينما كان، الحق في الهجرة لإسرائيل وأن يصبح مواطنا إسرائيليا". وقد تم لاحقا توسيع هذا الحق لليهود "ليشمل الأطفال، أطفال الزوج/ـة اليهودية، والأطفال الأحفاد لزوجـ/ـة يهودية". وفي حين يتعامل هذا القانون بسخاء تجاه المهاجرين اليهود من جميع أنحاء العالم؛ فإنه يميز ضد الفلسطينيين الذين ولدوا فعليا على أرض فلسطين، ويميز ضد أنسالهم أيضا. هناك مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا من عنف وعدوان المليشيات الصهيونية والقوات الإسرائيلية منذ عام 1948؛ جرى عزلهم عن أراضيهم وممتلكاتهم داخل إسرائيل؛ حيث لم يعترف قانون العودة الإسرائيلي، بحق هؤلاء الفلسطينيين في العودة إلى مواطنهم في ديارهم. والسبب ببساطة؛ لأنهم ليسوا يهودا. في عام 1967 تم حرمان حوالي 70,000 فلسطيني من السكان الأصليين من حقهم في البقاء في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وذلك لأنهم لم يكونوا موجودين في الأراضي المحتلة أثناء إجراء التعداد السكاني، الذي نفذته إسرائيل بعد حرب حزيران 1967 بوقت قصير. وفي عام 2003؛ تم تمرير قانون "مؤقت" من قبل الكنيست يحرم الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة والمتزوجين/المتزوجات من مواطنين إسرائيليين/إسرائيليات من العيش في داخل إسرائيل.

يتطلب التمييز العنصري المؤسسي نظاما إداريا لتعريف وتقسيم السكان إلى هويات عرقية أو طائفية، ويستتبع حقوقا وتعاملات مختلفة حسب التصنيف. فقد قاد قانون تسجيل السكان في جنوب أفريقيا لعام 1950 إلى إنشاء السجل الوطني للسكان؛ الذي اشتمل على تسجيل الانتماء العرقي لكل شخص؛ استنادا إلى تصنيفهم إلى أربعة مجموعات عرقية: "أسود"، "أبيض"، "ملون" و"هندي". وتمت الإشارة لهذا التصنيف في الهوية الشخصية. وكان "مجلس تصنيف الأعراق" هو الجهة التي تتخذ القرار النهائي بشأن الحالات المتنازع عليها حول الانتماء العرقي لشخص ما. وحظي المصنفون عرقيا كـ"بيض" بالمعاملة الرسمية الأفضل، كما تم اعتبارهم كائنات متفوقة بالنسبة للآخرين؛ بينما حصل الأفارقة الأصليين على المعاملة الأسوأ. كما نتج عن هذا القانون تفرقة بين العائلات، حيث حدث أن تم تصنيف بعض أفراد الأسرة كــ"ملونين"، فيما جرى تصنيف أفراد آخرين من نفس الأسرة كـ"أفارقة"، وبناء عليه؛ تم إجبار هؤلاء على العيش في أحياء سكنية منفصلة، والذهاب إلى مدارس مختلفة وفقا للتصنيف العنصري. على سبيل المثال، في حالة "ساندرا لينغ" التي ولدت في عام 1955 لعائلة محافظة بيضاء، وجرى تصنيفها على أنها "ملونة"، وبالتالي، فرض عليها أن تدرس في المدارس المخصصة للأطفال السود، وعندما تغير القانون في عام 1967؛ تم إعادة تصنيفها على أنها بيضاء؛ حيث تقرر أن الطفل المولود لأبويين من البيض لا يمكن أن يتبع إلى مجموعة عرقية أخرى.

في عام 1958؛ كان السكان السود محرومين من حقوق المواطنة؛ حيث أصبحوا من الناحية القانونية مواطنين في واحدة من عشرة مناطق للحكم الذاتي؛ تم تحديدها على أساس قبلي وسميت "بانتوستانات"؛ وأربع من هذه البانتوستانات أصبحت تسمى دول مستقلة، ولاحقا لذلك؛ صدر قانون الجنسية لـ"أوطان" (مواطن – بفتح الميم والطاء) الـ"بانتو" لعام 1970؛ مضيفا المزيد من مأسسة القيود على حقوق المواطنة والجنسية لأبناء الأغلبية السوداء في "الأوطان" أو البانتوستانات، الموجودة على مساحة 13% من أفقر أراضي جنوب أفريقيا، وذلك وفقا للانتماء العرقي. فعلى سبيل المثال، الزولو محصورون في أراضي الزولو، الأكسوساس في الترانسكي والسيسكي، الشانغان في االغزانكولو، السوثو الجنوبيين في الكواكوا، السوثو الشماليين في ليباوا، نديبليس في كوانديبلي، التيتواناس في بوفو ثاتسوانا، فينداس في فيندا والسوازي كانغوين. وتم ترحيل السكان السود إلى "بانتوستاناتهم"؛ حيث قامت الحكومة بعزل السكان عن بعضهم البعض بحسب الهوية العرقية، ووفرت لهم تعليما أقل شأنا، ونفس الأمر بالنسبة للرعاية الصحية والخدمات العامة الأخرى؛ حيث جرى تزويد السود بخدمات أقل شأنا بكثير من تلك التي كانت تقدمها لسكان الأقلية البيضاء. وكل ذلك بناء على قوانين عنصرية وتمييزية؛ مثل قانون تعليم الـ"بانتو" لعام 1953، و"قانون المرافق العامة المنفصلة" لعام 1953.

أما في إسرائيل، يفرض قانون تسجيل السكان لعام 1965 على جميع المقيمين في إسرائيل تسجيل انتمائهم العرقي ودينهم في سجل السكان، ويفرض عليهم الحصول على هوية شخصية؛ وتحمل الهوية الشخصية بيانات تظهر الانتماء العرقي؛ وإذا ما كان الشخص "يهوديا"، "عربيا"، "درزيا"، أو كما هو مسجل لدى وزارة الداخلية الإسرائيلية، ويصنف اليهودي كيهودي عندما تكون أمه يهودية. وعندما يعرض شخص ما بطاقته الشخصية لأحد أفراد الشرطة، ضباط الأمن، الجنود، أو للموظفين في المكاتب الحكومية الإسرائيلية؛ فإن هؤلاء يعرفون "القطاع" الذي ينتمي إليه الشخص بناء على ما هو مذكور في بطاقة هويته. ولا يعترف بقومية "إسرائيلية" في إسرائيل؛ وهكذا لا تذكر صفة "إسرائيلي" أمام خانة الجنسية/ أو القومية في بطاقة الهوية الإسرائيلية إطلاقا.


ووفقا لمكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان؛ يوجد في إسرائيل "نظام قانوني مزدوج يميز بين اليهود الإسرائيليين وبين السكان الفلسطينيين الأصليين على أساس منزلة مشيدة لـ"القومية اليهودية"؛ وهذه الممارسة القانونية المؤذية؛ تظهر واضحة وجلية في جميع العمليات والإجراءات المتعلقة بتطبيق النظام القانوني، بدءا من الحق في الوصول للمعلومات، مرورا بالحق في محاكمة عادلة وحتى إجراءات الاعتقال ومعاملة السجناء".

وبناء على كل ذلك، يوجد في إسرائيل، كما كان في جنوب أفريقيا سابقا؛ تمييز عنصري مؤسسي بين المجموعات العرقية المختلفة، وأدى وجود مثل هذا النظام في جنوب أفريقيا إلى الإعلان عن الأبارتهايد باعتباره جريمة ضد الإنسانية؛ وهذا نفس النظام الذي تعمل به دولة إسرائيل ولا زالت تطوره وتعززه؟!


  بنغاني نجيليزا Bangani Ngeleza وأدري نيوهوف Adri Nieuwhof هما مستشاران مستقلان من كل من جنوب أفريقيا وهولندا على التوالي، وقد شارك نجيليزا في حركة ا التحرير الوطني كعضو في المؤتمر الوطني الأفريقي للإطاحة بنظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا؛ فيما شاركت نيوهوف في دعم المؤتمر الوطني الأفريقي لتحقيق أهدافه التحررية؛ وذلك من خلال نشاطها كعضو في اللجنة الهولندية للتضامن مع الشعب الجنوب أفريقي