BADIL

  • increase font size
  • Default font size
  • decrease font size
Home Haq Al-Awda جريدة حق العودة - العدد 35 فلسطين ما بين الصهيونية والامبريالية طريقنا للانتصار يكمن في فهم أسلوب عملهما

فلسطين ما بين الصهيونية والامبريالية طريقنا للانتصار يكمن في فهم أسلوب عملهما

بقلم: توفيق حداد*

لا معنى لمناقشة قضية فلسطين بدون التطرق لدور الامبريالية في خلق وإدامة الصراع الفلسطيني – الصهيوني، وفضلا عن ذلك؛ فإنه من المستحيل القيام بذلك بدون ربط القضية الفلسطينية بالمحيط العربي الأوسع في الشرق الأوسط وبالمصالح الامبريالية الغربية في المنطقة.

 

فعلاقة فلسطين بالامبريالية والاستعمار هي أكثر تعقيدا من التصورات الكلاسيكية لهذه العلاقة، حيث قامت الدول الغربية تاريخيا باستغلال موارد بلدان "العالم الثالث" التي كانت تستعمرها. وبالرغم من أن هذا النمط من الاستغلال يحتل جزئيا مكانا هنا؛ إلا أن الفلسطينيين بوجه عام لا يملكون مثل هذه الموارد أو السلع القيمة، خاصة بالنسبة للأسواق العالمية، ولذات السبب؛ لا يوجد أيدي عاملة فلسطينية أو سوق استهلاكي له قيمته بالنسبة للرأسمال العالمي. وبدلا من ذلك، تكمن أهمية فلسطين في التوجه التاريخي الذي أبدته الامبريالية تجاه موقعها الجغرافي الاستراتيجي، فالموارد القيمة موجودة في العالم العربي الأوسع، وصدى رمزية فلسطين بين العرب وجميع أنحاء "العالم الثالث" بوصفها قضية ملهمة في تحدي القوى الامبريالية.

ويرسي هذا الفهم الأساس الذي يجب على المرء أن ينظر من خلاله للامبريالية الغربية باعتبارها السند التاريخي والمستمر للحركة الصهيونية ولإنشاء دولة إسرائيل واستمراريتها، بيد أن ذلك؛ ليس من أجل إغفال حقيقة أن أسباب ظهور الحركة الصهيونية كان لها منطقها الداخلي الخاص؛ آخذين بالاعتبار التمييز العنصري الأوروبي ضد اليهود، وصعود القومية الأوروبية مع نهاية القرن التاسع عشر. وبرغم ذلك، استمرت العهود الإستراتيجية المزيفة بين الصهيونية والامبريالية الغربية التي تمت صياغتها في الأصل، وواصلت صياغة وتأطير الدعم الامبريالي الغربي الحاسم لإسرائيل؛ ويمثل ذلك الإطار الأساسي لفهم ما يجري هنا. ولهذا السبب؛ لا بد من الغوص في الدور الاستراتيجي الذي تلعبه إسرائيل تاريخيا لصالح هذه القوى، وفي الوقت الحاضر؛ لأنها ترسي الأساس لفهم الكيفية التي يمكن للقوى المناهضة أن تعمل بها في التصدي لها بطريقة فعالة.

دور إسرائيل في خدمة الامبريالية والرأسمالية
حتى قبل أن تظهر دولة إسرائيل إلى حيز الوجود، قدم المفكر الصهيوني "ثيودور هيرتسل" رؤية لدولة يمكن أن توجد وتقوم على خدمة المصالح الامبريالية الغربية على نطاق واسع في منطقة الشرق الأوسط – "حصنا منيعا ضد آسيا ... ومخفرا متقدما للحضارة ضد البربرية."1 وقد فهم جميع القادة الصهاينة قبل قيام الدولة وحتى هذه الأيام، بأن هذا الولاء لأهداف الامبريالية الغربية؛ من شأنه ضمان الدعم لدولة إسرائيل وهيمنتها

على العالم العربي، وخلافا لحالات الاستعمار الأخرى التي كان لها "دولة أم" لتوفير الدعم والتمويل، وتنفيذ مثل هذا المشروع العسكري، مثل بريطانيا العظمى في الهند أو فرنسا في الجزائر، فالحركة الصهيونية تفتقر

لمثل هذه "الدولة الأم". ولهذا السبب؛ فشلت الحركة الصهيونية فعليا في سنواتها الأولى، فلا كسبت الكثير من التأييد على المستوى العالمي ولا حتى في أوساط اليهود أنفسهم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

وقد بدأت الأمور تتغير عندما أدركت القيادة الصهيونية أنها بحاجة لمزاوجة مشروعها مع مصالح امبريالية داعمة – في هذه الحالة، كانت صهيونية بريطانيا العظمى تواقة لوجود قوة إمبريالية كبرى داعمة لها، وتقوم بتزويدها بمظلة تعمل تحتها، وعلى وجه التحديد؛ أدركت أنه بدون مثل هذا الدعم، فلن تستطيع الاستمرار في مشروعها من ناحية مالية، عسكرية أو معنوية وأخلاقية.

وفي وقت مبكر، قامت القيادة الصهيونية بوعي كامل ببيع الخدمات التي يمكن للحركة أن تقدمها لبريطانيا العظمى، وذلك مقابل الحصول على الدعم لإقامة دولة يهودية في فلسطين. أحد القادة المشاركين في تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، وهو "ماكس نورداو" Max Nordau؛ أعلن عن ذلك صراحة في 12 تموز عام 1920 في خطاب قدمه في لندن متحدثا لأعضاء البرلمان البريطاني، جاء فيه:

خلال لحظة خطيرة في الحرب العالمية الأولى، اعتقدتم أن علينا، نحن اليهود، أن نقدم لكم خدمة مفيدة، وقمتم بالالتفات إلينا مقدمين الوعود التي كانت نوعا ما عامة، ولكن يمكن اعتبارها مرضية [في إشارة لوعد بلفور]، أخذنا توجهاتكم في الاعتبار، وكنا نشعر بالولاء للمقترحات التي تخصكم، نحن فقط نريد أن نستمر، فقد أبرمنا معكم عهدا، ونحن ننظر بعناية للمخاطر والالتزامات المتعلقة بهذا العهد، ونحن نعرف ما تأملون في الحصول عليه منا؛ يجب علينا حماية قناة السويس من أجلكم، وسوف نكون حماة طريقكم إلى الهند لأنها تمر عبر الشرق الأوسط، ونحن جاهزون لتحمل هذا الدور العسكري الصعب؛ ولكن هذا يتطلب منكم السماح لنا بأن نصبح أقوياء كفاية؛ لكي نكون قادرين على الوفاء بدورنا، الولاء بالولاء، الإخلاص يقابله إخلاص. 2

وبعد حرب عام 1967؛ حلت الامبريالية الأمريكية محل بريطانيا العظمى وفرنسا باعتبارها الحليف الرئيس الداعم لإسرائيل، ولكن؛ لم تتغير طبيعة العلاقة ودور إسرائيل، وحتى أنها توسعت ليس فقط لتشمل حماية قناة السويس، بل لما هو أكثر أهمية؛ وهو تامين حماية طريق القوى الغربية لنفط الشرق الأوسط. كما كتبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية اليومية في مطلع الخمسينات:
خلال قيام إسرائيل بدور كلب الحراسة؛ لا يفترض أن يخشى من قيامها باتخاذ سياسة عدوانية تجاه الدول العربية حتى لو بدا ذلك متعارضا مع إرادة الولايات المتحدة وبريطانيا، ولكن؛ إذا وجدت أية أسباب لذلك، فسيكون على الدول الغربية أن تغض الطرف أحيانا، لأنه يمكن الاعتماد على إسرائيل في معاقبة دولة واحدة أو عدة دول مجاورة من تلك الدول التي تتجاوز الحدود المسموح بها في فظاظتها نحو الغرب." 3

وفي نطاق هذه الوظيفة ظل الغرض الأساسي لدولة إسرائيل على الدوام، بل اختصاصها؛ هو تخريب، قمع، اقتلاع وتدمير أي جهة أو قوة قد "تهدد" الوصول والهيمنة الغربية على المنطقة، وبشكل خاص احتياطاتها غير العادية من البترول، والتي تم وصفها في أحد المرات من قبل واشنطن بأنها "أعظم جائزة في تاريخ البشرية."

تاريخيا، هددت القوى القومية العربية هذه المصالح؛ لأنها قوى تدعو لتقرير المصير للشعوب العربية وحقها في مواردها الطبيعية، وناضلت ضد التجزئة المصطنعة، التي مزقت الوطن العربي إلى 22 دولة في بداية القرن العشرين. وظلت المنطقة ببساطة ذات قيمة جيو-استراتيجية عالية جدا بالنسبة للمصالح الرأسمالية، عملت الولايات المتحدة على تحديد سقف الاجندة التنموية العربية لكي تبقي على "امتياز" سيطرتها على منابع النفط في المنطقة، وأن لا يكون في قبضة جهة امبريالية أخرى.

وقد عملت إسرائيل ضمن هذه المهمة بدون كلل أو ملل من أجل تقويض التطلعات القومية العربية، وعلى الرغم من كون أفضل وأبرز انجازات إسرائيل كان الهجوم المفاجئ وهزيمة عموم الحركة القومية العربية الناصرية عام 1967؛ فهذه لم تكن سوى قمة جبل الجليد لما تعهدت إسرائيل على القيام به، من حيث التخلص من أي أثر وجميع بقايا الحركة القومية العربية. ومن الجدير بالذكر هنا؛ الإشارة إلى بعض أوجه هذه السياسة التوسعية المحمومة، حيث نادرا ما يتم التطرق لها، وهذا ضروري، وهام بسبب كون الاتجاه القوي في العالم العربي وفي أماكن أخرى، يرى بشكل خاطئ أن السياسات الأمريكية تكون مدفوعة من قبل "اللوبي الإسرائيلي" أو "اليهود"، أكثر من دوافع الطبقات الحاكمة الأمريكية ومصالحها الرأسمالية:

- قامت إسرائيل منذ إنشائها بالاشتباك مع، وبهزيمة أنظمة عربية مختلفة في حروب كبرى في 1948، 1956، 1967، 1973 و1982، وقد كانت إسرائيل هي المبادرة بالهجوم في جميع هذه الحروب ما عدا حرب العام 1973.

- دأبت إسرائيل دوما على دعم الدول غير العربية الموجودة على أطراف العالم العربي، مثل تركيا، إيران، كينيا وأثيوبيا؛ وذلك كوسيلة لضمان تبديد موارد الدول العربية على النفقات الدفاعية لحماية ذاتها من جيرانها، وهذا معروف في "قاموس" الدفاع الإسرائيلي بـ"نظرية التطويق" الشامل. وقد تم استخدام الحرب كوسيلة لكي تكون إسرائيل قادرة من خلالها على هدر الموارد العربية الاقتصادية والمالية، السياسية والبشرية.

- دأبت إسرائيل على دعم الأقليات العرقية والدينية في العالم العربي؛ باعتبارها طريقة لكسر وإجهاض القومية العربية من الداخل، وهذا معروف في القاموس الإسرائيلي بـ"نظرية التحالف مع الأطراف"، وقد استهدفت هذه السياسة في بداياتها اليهود العرب، وبشكل خاص في كل من العراق، مصر والمغرب، وحتى وصلت هذه السياسة لأبعد من ذلك؛ عبر زراعة المتفجرات في الكنس والممتلكات اليهودية؛ من أجل إثارة وتحريك موجة من هجرة اليهود العرب لإسرائيل في مطلع الخمسينات. كما حاولت إسرائيل إشعال نار التمرد لدى أقليات ومجموعات أخرى في العالم العربي؛ مثل الأقباط في مصر، الموارنة في لبنان، والأكراد في العراق، وفي السودان باعتبار ذلك طريقة لإضعاف القومية العربية.

- وقد عملت إسرائيل لصالح مساعدة الأنظمة العربية الموالية للغرب، ومساعدتهم في الدفاع عن نفسها ضد الحركات الوطنية الداخلية، فقد ذكر "شبتاي شافيت"، رئيس سابق للموساد الإسرائيلي، _ ذكر صراحة أن إسرائيل دعمت القوات الملكية في اليمن ضد القوات الجمهورية خلال سنوات الستينيات، وأرادت إسرائيل من ذلك إضعاف عبد الناصر الذي كان يدعم الجمهوريين، وكجزء من فكرة إستراتيجية شاملة "لتجزئة العالم العربي والبحث عن حلفاء في المنطقة،"4 حسب أقواله.

- على مدى سنوات طويلة؛ شاركت إسرائيل، بصورة مباشرة وغير مباشرة، في اغتيال وتصفية القوميين العرب والتقدميين البارزين، ومن ضمنهم الثائر المغربي الكبير مهدي بن بركة في عام 1967، قادة وأعضاء في جبهة التحرير الوطني في الجزائر، إضافة إلى المئات من الثوريين والقادة في الحركات الوطنية اللبنانية والفلسطينية.

- عملت إسرائيل على منع أي نظام عربي من تحدي تفوقها العسكري وهيمنتها في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة من أجل منع العرب من تطوير قدرات نووية. وفي سياق ذلك، قامت إسرائيل بتدمير المفاعل النووي العراقي خلال عملية تجميعه في فرنسا عام 1977، وقامت باغتيال مجموعة متنوعة من العلماء الذين كانوا يعملون في البرنامج النووي العراقي؛ ومن أبرزهم العالم المصري يحيى المشد في باريس. أيضا، قامت إسرائيل باغتيال صاحب فكرة مشروع المدفع العراقي العملاق في بروكسل، ودمرت بواسطة القصف مفاعل تموز (اوزاريس) العراقي في عام 1981.

- حاولت إسرائيل مرارا وتكرارا العمل على إضعاف وتدمير الحركة الوطنية الفلسطينية، بشكل خاص عام 1970 في غزة، عام 1982 في لبنان، في عام 1987 في الانتفاضة الأولى، ومؤخرا خلال انتفاضة الأقصى. وترمز الحركة الوطنية الفلسطينية أكثر من أية حركة أخرى إلى وحدة التطلعات القومية العربية، وعملت حتى وقت قريب كجبهة تصدي رئيسية للهجمات الامبريالية الغربية ضد القومية العربية.

وبسبب نجاحات إسرائيل الكبيرة ضد القومية العربية؛ تشارك إسرائيل في السنوات الأخيرة في تقويض الحركات الإسلامية الناشئة التي حان دورها لتغطي على ما كانت يوما ما أبرز الحركات الوطنية في جميع أرجاء المنطقة. وعلى غرار القومية العربية المتشددة؛ فإن العديد من الحركات الإسلامية الناشئة تظهر نفسها على قدم المساواة كحركات مناهضة للامبريالية والصهيونية، وبالتالي، من المطلوب سحق نشاطاتها. وعلى صعيد آخر، فإن وجود أعداء "إسلاميين" يجعل من الأسهل بكثير على إسرائيل إضفاء الشرعية على عمليات قمعها لهذه الحركات وللمنطقة ككل. ولا ينبع ذلك فقط من تبرير هذا القمع تحت عباءة "الحرب على الإرهاب"، أو لأن الإسلام نفسه ذو قوة توحيدية كدين؛ ولكن في الواقع، لأن عددا من البلدان دخلت، من خلال عملية إنهاء الاستعمار، في مواجهة مع الامبريالية الغربية، وهي تميل بوجه عام لإدارة نضالها على أساس قومي أو أيديولوجي، وليس على أساس ديني؛ وهذا يجعل من الصعوبة بمكان على هذه الدول، وعلى أولئك المتعاطفين مع مثل هذه الحركات أن يضعوا أنفسهم مع أو أن يدعموا مثل هذا الكفاح.

وكل ذلك لا يشمل الحديث عن الخدمات التي قدمتها إسرائيل لحليفتها الامبريالية خارج الوطن العربي، سواء كان في جنوب أفريقيا الفصل العنصري، أمريكيا الوسطى (نيكاراغوا، هندوراس وغواتيمالا)، أمريكيا الجنوبية (كولومبيا وفنزويلا)، وفي آسيا (تيمور الشرقية والهند). فقد لعبت إسرائيل أدوارا مهمة في جميع هذه الساحات؛ سواء كان هذا الدور من خلال التزويد بالأسلحة، الخدمات والتدريب؛ وذلك خدمة لمصالح الامبريالية الأمريكية، وفي خدمة أتباعها الذين يعملون ضد أعدائها.

وطبيعة هذا النشاط الجماعي الواسع جعل من إسرائيل حليفا لا غنى عنه بالنسبة للولايات المتحدة، وهو أكثر قيمة وفوق أي نظام عربي محلي تابع وميال للغرب، والموجود على الدوام في حالة من عدم الاستقرار نابعة من عدم شرعيته تجاه شعبه في الداخل. وهذا كله ليس من أجل القول أن إسرائيل والحركة الصهيونية هما الحليف القاهر الذي يستطيع أن يفعل ما يشاء. بالطبع، يوجد قيود على القوة الإسرائيلية، مما يضطر الولايات المتحدة أحيانا على التدخل المباشر. وعلاوة على ذلك؛ يجب أن لا يسقط المرء من حسابه وجود الدوافع والتطلعات الإسرائيلية – الصهيونية المستقلة، ولكن في الحالات النادرة التي يحصل فيها تناقض مصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فمن الواضح أنه عندما تشد الولايات المتحدة عضلاتها تستجيب إسرائيل.5فالطاعة الإسرائيلية للولايات المتحدة إلى جانب اندماجها العضوي في منظومة المصالح الامبريالية الأمريكية؛ قد أدى إلى الكثير من الثناء على "الدولة اليهودية". الخبير العسكري الأمريكي، وضابط الاستخبارات في سلاح الجو، الميجر جنرال "جورج كيغان"، نقل عنه قوله: أن دافعي الضرائب الأمريكيين سيتكلفون 125 بليون دولار كل عام من أجل الحفاظ على قوات مسلحة مساوية لقوة إسرائيل في الشرق الأوسط، وأن العلاقات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية تعادل "خمسة أجهزة CIA".6       

هذا هو الإطار الصحيح الذي يمكن من خلاله فهم وتفسير أفعال إسرائيل اليوم؛ فإسرائيل هي مقاول من الباطن للمصالح الرأسمالية على العديد من المستويات، ومن ضمنها إخضاع العالم العربي عسكريا، وعلى وجه الخصوص، فإن قيام إسرائيل بإخضاع الشعب الفلسطيني يمثل نموذجا محليا لهذا القمع؛ الذي تهدف من خلاله لإخماد المقاومة الفلسطينية، وبالتالي؛ فهذه المقاومة تنبع بشكل طبيعي من التوسع الاستعماري الصهيوني والأيديولوجية، وتجعل من النشاط المناهض للصهيونية معادل للنشاط المناهض لامبريالية الولايات المتحدة الأمريكية.

إضافة لذلك، من المهم التأكيد على أن هذه المصالح لا تخص حزبا سياسيا في الولايات المتحدة دون سواه، جمهوريا كان أم ديمقراطيا؛ بل هي فوق كل الأحزاب؛ وبكلمات أخرى؛ هي مصالح كل الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة. فكلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري رأسماليان يخدمان المصالح الرأسمالية للولايات المتحدة الأمريكية، وهما مدعومان من الشركات الوطنية الكبرى والعابرة للقارات.

وطالما هذه هي الصورة؛ فإن سلب حقوق الشعب الفلسطيني وقمعه ليست مجرد خيار سياسي، قابل للتأثر بجماعات الضغط السياسي، وإنما جزء متكامل من المصالح الرأسمالية للولايات المتحدة الأمريكية. فالإمدادات المالية والعسكرية المستمرة، والدعم الدبلوماسي الثابت لإسرائيل، تمثل كلها الأدوات اللازمة لتزويد إسرائيل بكل ما تحتاجه من أجل أن تنفذ وتحقق الأهداف المطلوبة منها. ولهذا السبب، حتى الرئيس أوباما، بكلماته المعسولة؛ هو من الناحية الهيكلية؛ المدافع عن امبريالية الولايات المتحدة ومصالحها ضد منافسيها، وعليه فمن المرجح أنه يسعى لجعل هذا النظام يعمل بصورة أفضل مما كان عليه، باختصار سيحافظ عليه وفق المبادئ التوجيهية الإستراتيجية لهذه السياسات.

التعلم من تحليل السياسة الإمبريالية
إن أية محاولة لإخراج القضية الفلسطينية من منطق امبريالية ورأسمالية الولايات المتحدة ومصالحها في الشرق الأوسط؛ ستكون نوعا من العمى الذاتي؛ الذي يزيل أية إمكانية للوصول إلى أي وضوح بشان ما هي عليه "المشاكل" الحقيقية في الواقع، ناهيك عن إمكانية معرفة أي شيء عن الحلول لمواجهة هذه المشكلات.

وعليه، فإن حل القضية الفلسطينية يجب أن يكون في إطار أوسع من الداخل الفلسطيني، ليشمل المستوى الإقليمي والعالمي ومرتبط أيضا بنضال الأمريكيين الداخلي ضد امبريالية الولايات المتحدة، وجنبا إلى جنب مع القوى التي تواجه في سياستها الرأسمالية الأمريكية في المقام الأول. وهذا ليس هو المكان للدخول في هذا الموضوع لسعته وتعقيداته، ولكن يوجد هنا ملاحظتان مناسبتان ومرتبطان بقضيتنا بشكل مباشر:

الأولى، لا يوجد لجميع الأمريكيين مصلحة في مآثر الاستغلال الامبريالي الأمريكي، وفي الحقيقة؛ إن الغالبية العظمى من الأمريكيين ليس لهم مصلحة على الإطلاق، كما يعانون من هذه الامبريالية؛ ذلك لأن الحاجة الماسة للضرائب يتم إنفاقها في اعمال عسكرية باهظة التكلفة تثري فقط جيوب النخبة الأمريكية، التي تستغل الأمريكيين الفقراء أصلا؛ وهذا يعني أن لدى القضية الفلسطينية حليف إستراتيجي موجود موضوعيا في الطبقات العاملة الأمريكية، والتي لا تستفيد من اضطهاد اسرائيل للفلسطينيين أو العرب.

وثانيا، نحن لسنا وحدنا ضحايا الامبريالية الأمريكية، فالعديد من الشعوب الأخرى ناضلت ضد هيمنة الولايات المتحدة وامبرياليتها وشركائها فيما مضى ولا تزال. بالنسبة لقضيتنا؛ يوجد حاجة كبيرة لدراسة التاريخ وتلك التجارب النضالية، سواء العالمية منها أو الأمريكية الداخلية، ومن ثم محاولة استيعاب هذه الدروس ضمن نضالنا الخاص؛ لعقد تحالفات وتشبيك في أوساط ضحايا تلك السياسات الامبريالية. فنحن اذا ما تحالفنا معا نشكل الأغلبية في النهاية، نحن المضطهدين، وإلى جانبنا الحقيقة والعدالة. فبيننا العديد من نقاط التقاطع واللقاء المحتملة والإمكانيات غير المستغلة من جانب حركتنا، وكلما قمنا بصياغة هذه التحالفات والروابط بشكل أعمق، كلما كنا قادرين أكثر على بناء حركة تستطيع الحصول على الموارد، وعلى المعرفة والوسائل اللازمة لهزيمة هؤلاء الأعداء الأكثر قوة وتطورا – الامبريالية الأمريكية ودولة إسرائيل الصهيونية.

إن حركة المقاطعة، سحب الاستثمارات وفرض العقوبات المتنامية في جميع أنحاء العالم؛ هي مثال جيد لكيفية تنظيم بعض هذه التحالفات، وكيف يمكن تنفيذ النشاط بفعالية، كما أنه يوجد مجال كبير للتوسع بناء على الانجازات المهمة للحركة؛ من أجل مصلحة فلسطين، ومن أجل الخير لبقية العالم.

* باحث وكاتب فلسطيني له العديد من الإصدارات منها: نحو أممية جديدة: قراءات في العولمة، إسرائيل والفلسطينيون وحرب الولايات المتحدة على الإرهاب.



1 تم اقتباسها في مكسيم رودنسن، "إسرائيل: دولة مستوطنين استعمارية؟" (نيويورك، باثفايندر برس Pathfinder Press، 2002)، ص 41.
2 ماكس نورداو، "الأعمال الصهيونية" المجلد الرابع، ص 203، صدر عن المكتبة الصهيونية The Zionist Library، الهيئة التنفيذية للمنظمة الصهيونية، القدس، 1962.
3 فيل مارشال Phil Marshall، الانتفاضة (Bookmarks، لندن، 1989)، ص ص 76-77.
4 مقتطف من يوسي ميلمان Yossi Melman، هآرتس 21/2/2000.
5 لقد لاحظنا أن هذه حالات نادرة من التباين العام بين سياسات إسرائيل والولايات المتحدة في قضية حوناثان بولارد (الجاسوس الإسرائيلي الذي كان مواطنا أمريكيا)، أو فيما يتعلق ببيع طائرة التجسس "فالكون" للصين الشعبية. وكلا الحالتين تبطلان الـ"التوجه التآمري الذي يعتقد بأن "كل ما يقوله اللوبي الصهيوني يمر".
6 بنجامين بيت هالاحمي، Benjamin Beit-Hallahmi: ارتباط إسرائيل: من يسلح إسرائيل ولماذا؟؟ (نيويورك: بانثيون Pantheon، 1987)، ص ص 98-196. تم اقتباسها في بول دعماتو Paul D’Amato، "تدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط: الدم من أجل البترول"، العدد 15 من مجلة الاشتراكية الدولية International Socialist Review، كانون أول 2000-كانون ثاني 2001.