ان التعليم اساس لنهضة أي مجتمع يحمل على عاتقه مهمة متميزة في مجالات إعداد الكفاءات، ودفع الاختراع التكنولوجي والتنمية الاقتصادية، ولرفع معنويات الشعب والأمة، ويلعب دوراً ريادياً وشاملاً في عملية بناء الدولة، كما انه يجب ان يمثل مشروعاً استراتيجياً لكل دولة.
تقوم الكتب الدراسية بمنح الشرعية لنظام سياسي واجتماعي قائم، واستخدمت كأدوات لتمجيد الأمة وتعزيز هويتها القومية وتبرير اشكال من النظم الاجتماعية والسياسية. كما تلعب الفلسفة التربوية دوراً مزدوجاً في بناء الذاكرة الجمعية لأي امة: فهي من ناحية توفر احساساً بالاستمرارية بين الماضي والحاضر بنقل الروايات التاريخية المقبولة، وهي من الناحية الأخرى تغير أو تعيد كتابة الماضي ليناسب حاجات الحاضر، والتلاعب بالماضي غالباً ما يستلزم استخدام الأنماط والتحامل في وصف الآخر. لهذا توفر الكتب المدرسية نقطة بداية ممتازة لدراسة وظيفة التنميط والتحامل في تزييف هوية مجتمع ما في مواجهة الآخر.
وبناء على ذلك، فإن الفلسفة التربوية والثقافية لأي دولة تلعب دوراً استراتيجياً ورئيسياً في بلورة المواقف السياسية، وإطلاق المفاهيم وتحديد السلوك اتجاه القضايا المختلفة سواء المحلية أو الإقليمية او الدولية. وعلى الرغم من تعرض الجيل الجديد لأجهزة الإعلام الالكترونية، مع ذلك فان معظم الباحثين في حقل التعليم ما زالوا يتفقون على ان الكتب الدراسية ما زالت أساسية بل واعتبرها البعض اقوى تكنولوجيا تعليمية والأكثر انتشاراً.
ان التربية الإسرائيلية هي إحدى الأسس التي ترتكز عليها دولة إسرائيل في بناء أجيالها الناشئة وتشكيل شخصياتهم ليكونوا قادرين على تحقيق الهدف الصهيوني الأول وهو "إقامة الدولة اليهودية النقية" على "ارض اسرائيل الكبرى".
لقد استطاعت الفلسفة التربوية في إسرائيل ان تضفي الشرعية على ما تقوم به إسرائيل من جميع الأعمال والممارسات والانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني، وفي نفس الوقت إسقاط الشرعية عما يقوم به الفلسطينيون والعرب.
الحروب تبدأ اولاً في عقول البشر:
لقد كان الدافع الأساس لهذه المقالة هو البحث عن أسباب تنامي وتصاعد الفاشية والعنصرية الإسرائيلية اتجاه الشعب الفلسطيني، وتعميق وجود احتلال الأرض الفلسطينية ووضع العراقيل أمام تحقيق السلام العادل وتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفق قرارات الشرعية الدولية.
وكان واضحاً ان هناك علاقة مترابطة بين المناهج التربوية الإسرائيلية واشتداد حدة الصراع واستمرار الحروب، ان مفهوم السلام في هذه المناهج ظل غائباً عن عقول الطلبة "اليهود" لتحل محله النزعة القومية والعنصرية، والتوجهات العسكرتارية، والتعصب الديني والأيديولوجي وإلغاء الآخرين.
ان دراسة سلوك قوات الاحتلال في الأرض المحتلة وأعمالها الإجرامية من قتل ونهب للاراضي، واعتقالات، وحصار، وبناء الجدار العنصري، والكتل الاستيطانية وغيرها من الأعمال الخطيرة، مرتبطة بشكل عضوي بالمفاهيم التعليمية والتربوية التي نشأ وتربى عليها هؤلاء الجنود. ان التربية الإسرائيلية هي التي توضح شكل القرار السياسي في المؤسسة الإسرائيلية ودوافعه وأسبابه ومنطلقاته.
وكان الاهتمام بهذا الموضوع يستند ايضاً الى معرفة اسباب ابتعاد السلام العادل عن منطقة الشرق الاوسط، على الرغم من توقيع اعلان المبادئ (اوسلو) سلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين 1993، وبين اسرائيل وبعض الدول العربية لاحقا، وبدل ان يحل السلام حلت السيطرة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، بل وأصبح حلم العودة والحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني مهدداً بالخطر.
ان الدراسات المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي ركزت عادة على المجالات التاريخية، والسياسية، والعسكرية، والاقتصادية، متجاهلة أهمية الفلسفة التربوية والثقافية في عملية الصراع، كون التربية في إسرائيل هي المسئولة عن كل السمات والمظاهر السلوكية التي يتصف بها المواطن الاسرائيلي.
وما يعزز ذلك هو مجموعة استطلاعات رأي أجرتها المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية، أشار احدها انه في أيار 1997 كشف استطلاع أكاديمي النقاب عن ان 40% من طلبة المدارس الثانوية اليهودية يكرهون العرب، وان 60% يشعرون بدافع قوي للانتقام من العرب. كما اظهر استطلاع آخر ان هناك زيادة تدريجية في المواقف السلبية اليهودية تجاه العرب منذ السبعينيات، واعتبار الكتب الدراسية المنحازة عاملاً مهماً في تبني المواقف السلبية تجاه العرب.
ولعل النظام المدرسي والثقافي والكتب الدراسية الإسرائيلية استخدمت سلاحاً فعالاً في يد الدولة في عملية بناء ذاكرة جماعية، وحتى اختراع ماضٍ للأمة يحتوي على الأساطير والرموز، وكل ما هو مشترك كذاكرة توفر الخرائط وقيماً تضع الحدود بين "نحن" و"هم".
لقد ورد في دستور اليونسكو "بان الحروب تبدأ أولا في عقول البشر، والدفاع عن السلام يجب ان يبنى في عقول البشر".
روح شريرة:
ان مفهوم السلام ظل غائباً وبعيداً عن المناهج الدراسية والتربوية في إسرائيل، وساهمت هذه المناهج في تصعيد الصراع والحروب وعدم الوصول إلى حل للصراع بطرق سلمية، وإعاقة هذه المناهج لأي تغيير جذري من وجهة النظر الإسرائيلية عن العرب، وحالت دون التقدم في عملية السلام.
تشير الدراسات التي صدرت حول المناهج التعليمية والدراسية في إسرائيل ان معظمها حديثة بل وقليلة جداً، وما صدر منها لم يربط بشكل واضح وجوهري بين هذه المناهج وتأثيرها على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعملية السلام.
وقد ركزت الدراسات المنشورة على الجانب الأيديولوجي للصهيونية وانعكاسها في كتب التدريس العبرية، وتأثيرها في تنشئة مواطنين مؤمنين بالمبادئ والقيم والأفكار الصهيونية، وعلى عملية الطمس والتغييب والتشويه لهوية العربي وإلغائه من جهة، ومحاولة "اسرلته" من جهة اخرى.
ولعل ما ينقص الدراسات المنشورة بهذا الخصوص هو عملية البحث عن العلاقة بين التربية في إسرائيل في إنشاء النخبة السياسية الحاكمة، ومصادر القرار السياسي لهذه النخبة في مسائل أساسية وإستراتيجية تتعلق بالصراع وعملية السلام مثل: المستوطنات، الحدود، السيادة، حق تقرير المصير، الدولة، المقاومة، الاعتراف المتبادل، الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، اللاجئون، وغيرها من المفاهيم والمواقف السياسية ذات الطابع الإشكالي والمكونة للصراع.
وفيما يلي بعض هذه الدراسات:
1. عالج الكاتب الإسرائيلي "ايلي بوديه" في كتابه "الصراع العربي الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية الاسرائيلية" الصادر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية عام 2006، المواقف السلبية التي تضمنتها كتب التاريخ اتجاه العرب، ولكنه يساوي بين هذه المواقف وبين ما تتضمنه الكتب الدراسية العربية، وخاصة الفلسطينية من مواقف سلبية حسب قوله اتجاه اليهود من ناحية المعايير القومية والتاريخية. ويحاول هذا الكاتب التنظير من موقع القوة أو الأمر الواقع بدعوته إلى تغيير النظرة السلبية تجاه العرب وانسنتهم في كتب التاريخ الإسرائيلية لإحداث مصالحة بين روايتين متناقضتين كوسيلة لبناء السلام.
وتكمن أهمية الكتاب ان الكاتب يعترف بأن كتب التاريخ الإسرائيلية ساهمت في تصعيد الصراع العربي الإسرائيلي وتلاشي السلام، ولكنه لم يوضح الأسس التي يجب ان يقوم عليها سلام عادل وحقيقي بين طرفي الصراع.
2. تناول الكاتب وائل أمين القاضي في كتابه "التربية في إسرائيل" الصادر عن مركز البحوث والدراسات التربوية عام 1994 الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها جهاز التربية في إسرائيل وهي:
• حب إسرائيل والتمركز حولها.
• التذكير بالاضطهاد كعنصر سيكولوجي لا بد منه لدفع اليهود نحو الهجرة إلى فلسطين.
• تكريس أسطورة الشعب المختار والشعور بالتميز والتفوق.
• التأكيد على الارتباط التاريخي بين الشعب الفلسطيني والأرض والإيمان المطلق بحق ملكية ارض إسرائيل.
• تزوير التاريخ وتغيير حقائقه.
• تشويه صورة العرب والتحريض عليهم.
• التوسع والاحتلال.
• تكوين النزعة العسكرية والاستعداد للحرب والقتال.
وخلال عملية تحليل النصوص يستنتج الكاتب التناقض في الفلسفة التربوية الإسرائيلية مع الأهداف والقيم السامية للتربية في المجتمعات الديمقراطية، وعلى رغم أهمية الكتاب الا انه لا يظهر البعد السياسي للتربية العنصرية الإسرائيلية وتأثيرها المباشر على الصراع في المنطقة.
3. تضمن كتاب "جهاز التعليم في إسرائيل" للكاتب خالد ابو عصبة الصادر عن المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية 2006 شرحاً تفصيلياً عن جهاز التعليم العبري والسياسات التربوية في إسرائيل حتى تاريخه.
ويستنتج الكاتب ان جهاز التربية والتعليم في إسرائيل لا زال الوسيلة الأولى والاهم التي استخدمت لتحقيق أهداف الصهاينة، ومدى مساهمته في خدمة الاستيطان والاحتلال.
وكتاب ابو عصبة يقر ان جهاز التربية والتعليم في إسرائيل عزز تنمية النزعة القومية اليمينية لدى الطلبة، وأنها أقوى بكثير من النزعة الديمقراطية، وان هذا الجهاز أراد ان يبني جيلا عظيم القوة. وأوضح الكاتب ان احد المصادر الهامة التي وجهت جهاز التعليم العبري هو المصدر الديني، باعتمادها اعتماداً كثيراً على الدين من اجل تشكيل أجيال مشبعة بتعاليم التوراة والتلمود، وان هذا المصدر استغل من قبل الحركة الصهيونية لمصلحة مشروعهم السياسي.
ان استنتاجات الكاتب على أهميتها العملية لم تتطرق إلى المواضيع السياسية المكونة للصراع وترك استنباط ذلك بشكل غير مباشر.
خاتمة:
يمكن القول إن حاجة إسرائيل الدائمة لتبرير وجودها دفعتها منذ عام 1948 وحتى اليوم، للعمل على "ادلجة" مواطنيها اليهود لخدمة مشروعها الاستعماري. وفي سبيل هذا بنت منهاج التعليم لتخدم سياستها وممارساتها. وهذا واضح في منهاج التعليم وواضح في الصحافة المرئية والمكتوبة، وفي المسرح والتلفزيون والسينما وفي المؤسسات الثقافية الإسرائيلية المختلفة. إن جهاز التعليم في إسرائيل خضع منذ تأسيسه لأسس إيديولوجية متمثلة في المعتقد الصهيوني والذي تم التعبير عنه من خلال جهاز التعليم في اتجاهين: الأول، اعتبار التعليم أداة روحية وركيزة لبناء الهوية والهوية الجماعية للطالب عبر الإيديولوجية الصهيونية وما انبثق عنها من معتقدات عنصرية تجاه الآخر. الثاني، اعتبار التعليم أداة مادية وركيزة للتطوير التكنولوجي والرأسمالية والعولمة بما يخدم ضرورات مواصلة الارتباط بالمركز الاستعماري.
* وزير الأسرى، عضو مجلس تشريعي، كاتب وأديب فلسطيني.



م في أي بلد الركيزة الأولى في تحديد معالم المجتمع، ويعتقد البعض ان القضية التربوية والتعليمية في أي مجتمع تعتبر القضية الأساسية في مدى قدرته على الاستمرارية في نقل الموروث الثقافي والحضاري المتمثل بالقيم الخاصة، وذلك بغرض المحافظة على ذاته وخصوصيته.