تصاعد الجدل والنقاش خلال العقد الأخير حول مستقبل دولة إسرائيل وهويتها في أوساط النخبة الصهيونية بمكوناتها السياسية، الفكرية، القانونية، الاقتصادية والاجتماعية؛ وربما كان النقاش في الماضي حول هوية الدولة وطابعها "اليهودي" يعلو حينا ويهبط أحيانا؛ إلا انه خلال العقد الأخير، أو لنقل في مرحلة "ما بعد أسلو"؛ أخذ هذا الجدل يتصاعد بالتدريج إلى أن تعدى المجال الفكري والثقافي أو القانوني، ليتحول إلى جزء من الأجندة السياسية المباشرة للحكومات الإسرائيلية؛ بدءا بحكومة شارون، مرورا بحكومة أولمرت، الى نتنياهو حاليا. وموضوع تعريفها لنفسها كـ"دولة يهودية وديمقراطية" يحظى بشبه إجماع في أوساط الأحزاب الرئيسية في الكنيست؛ بل وتحول إلى مطالب سياسية موجهة للدول والأطراف الأخرى وعلى رأسها الطرف الفلسطيني والدول العربية الأخرى. يقول رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو: "انه يجب على الدول العربية والإسلامية وكذلك العالم الاعتراف بان إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي وهذا يعتبر إنهاء جذري للصراع في المنطقة، ومن خلال المفاوضات يمكن التوصل إلى تفاهمات في كافة القضايا، المستوطنات والحدود والقدس وباقي القضايا ". 2
لا تهدف هذه المقالة الموجزة للدخول في تحليل تاريخي لأصل "الدولة اليهودية" ومصادرها الفكرية في الأيديولجيا الصهيونية، بل محاولة تقديم مقاربة أولية حول ما تعنيه بالنسبة لنا كشعب فلسطيني في المقام الأول، وانعكاس تحويل هوية دولة إسرائيل من الحلبة الفكرية والتناقضات الداخلية إلى مطلب سياسي صريح، بل ربما شرط تعجيزي للقضاء على أية فرصة لتحيق تسوية أو حتى "سلام" لا ينطوي على أدنى معايير العدالة.
يقول نتنياهو: "وافقوا على يهودية إسرائيل لان الشعب اليهودي ليسوا غزاة أجانب لأرض إسرائيل". 3هكذا هم ليسوا غزاة أجانب لأرض إسرائيل، وطالما هم ليسوا غزاة، فمن الطبيعي أن يقوم العرب، والفلسطينيون بالتحديد؛ بتقديم اعتذار عن عدم فهمهم وقلة خبرتهم بالتاريخ، وأن يطلبوا العفو من الحركة الصهيونية بسبب تصديهم وعدم اعترافهم بالصهاينة بوصفهم مواطنين أصليين في "ارض إسرائيل"!
في شهر نيسان 1949، أرسل الوزير الأمريكي في بيروت، لويل سي. بنكرتون تقريرا للخارجية الأمريكية وللعضو الأمريكي في لجنة التوفيق الدولية بشأن فلسطين، مرفقا بمذكرة قال أنه استلمها من ممثلين عن مجلس سكان يافا الذين كانوا لاجئين في بيروت آنذاك، نقتطف هنا بعضا مما جاء في تلك المذكرة الموجهة للحكومة الأمريكية: "إنها لحقيقة أبدية أن الشر لا يمكن إبعاده بشر أسوأ ...وهي حقيقة تاريخية أيضاً أن ما من أمة مهما تكن بدائية ستوافق، أو وافقت على اجتثاثها من أرضها وبعثرتها في مكان آخر، حتى لو كان هذا المكان الآخر الجنة بعينها، ومهما يكن التعويض المالي الذي يدفع لقاء هذا التشريد كبيراً".
وجاء في مطالب سكان يافا التي تفصلها المذكرة: "أن يسمح، لجميع سكان المنطقة المشار إليها [يافا وقضاها بما في ذلك اللد والرملة]، بتحقيق رغبتهم الشديدة الجدية في العودة الفورية إلى قراهم وأراضيهم والاستقرار فيها، بصرف النظر وقبل الوصول إلى أي حل سياسي. [...] اليهود يضعون الآن أنظمة بريئة ظاهرياً، لكن هدفها الحقيقي تدمير ملكية العرب وإلغاء حقهم في العودة إلى أراضيهم. وقد بات معروفاً الآن أن اليهود دمروا المنازل و.. أحياء كاملة، مستندين إلى الحجة الواهية البريئة ظاهرياً لإنشاء حدائق عامة وتحسينات أخرى. لقد احتلوا منازل عربية، واستخدموا كل ما ترك فيها، ودمروا عمداً مضخات المياه". 4[نأسف لهذا الاقتباس الطويل] والذي يهدف لتبيان صورة النكبة منذ اليوم الأول وخلال أقل من عام واحد، ماذا كتب سكان يافا للحكومة الأمريكية؟ وهل تغير شيء في الممارسة والتفكير والأساليب الصهيونية؟؟
بالطبع من الواضح أن سكان يافا وقضاها كانوا يحلمون أو واهمين أنهم كانوا هناك! فليس هناك من غزاة قد طردوهم من وطنهم ومزارعهم وبيوتهم ودمروا حياتهم ومستقبلهم، ولا هنا من ينوي حرمانهم من حقهم الطبيعي في العودة؛ لكن السؤال المهم: كيف يستطيع نتنياهو أن يخلص هؤلاء العرب "الأوباش" من هذه الأوهام الخطيرة التي تعرقل الاعتراف بدولته كدولة للشعب اليهودي!
النقاشات الصهيونية المتزايدة حول موضوع الدولة وطابعها وتركيبتها الديمقراطية؛ كانت دوما وستظل موضوع سجالات في أوساط النخبة الصهيونية، هذه النخبة تحاول أن تحافظ على هدنة داخل المجتمع اليهودي في إسرائيل؛ فالقيادة السياسية الحالية ترفع هذا المطلب للخارج، وتحاول الليبرالية الصهيونية (اليهودية بمعناها القومي السياسي) أن تقدم مقاربة أشمل مثل "دولة يهودية وديمقراطية ولكل مواطنيها أيضا"، كما عبر عن ذلك الليبرالي المتميز أهارون باراك رئيس المحكمة العليا سابقا؛ ولكن هل تنجح هذه المقاربات، وهل فرض هذا الاعتراف بالقوة على أجزاء من المجتمع أو على أطراف خارجية هو من صميم الديمقراطية الإسرائيلية؟
بوجه عام؛ إسرائيل تصور نفسها وتدعي أنها امتداد للحضارة الغربية، وللديمقراطية الغربية، أي أنها تسير على هدي الليبرالية الأوروبية ومنتجاتها. وإذا استثنينا التمييز العنصري ضد الشعب الفلسطيني؛ لأنه موجود في الأصل في الغرب الاستعماري والديمقراطية الغربية ضد الشرق وضد شعوب أخرى، من هنا نلاحظ التفهم الغربي لممارسات إسرائيل العنصرية والاستعمارية بكل ما تحويه من نهب وسلب واستغلال وجرائم. إن إسرائيل الذاهبة إلى طريق عزلتها الخارجية من خلال فرض توصيف معين وبلورة هوية لها مقابل الآخر المناقض؛ فهي على المستوى الداخلي الصهيوني واليهودي عموما؛ تقف على أعتاب أزمات كثيرة ومعقدة تهربت منها القيادات الإسرائيلية المختلفة على مدى تاريخها، بل أحيانا اعتبرت النقاش فيها جزءا من الخيانة؛ فلننظر في تركيبة المجتمع اليهودي في إسرائيل الذي لا يتصور معظمه إمكانية للفصل بين الدين والدولة والمواطنة والقومية، فاليهودية تعادل الهوية القومية السياسية، لكن بالتأكيد ليس بالمعنى السائد في الديمقراطية الغربية، فهناك يوجد دولة ومواطن ودستور يحدد العلاقات والحقوق والأدوار للأغلبية والأقلية، وهنا الديمقراطية الإسرائيلية تعني المفهوم الحرفي بـ "حكم الأكثرية" على أساس من يفوز بالأكثرية البرلمانية، و" أن الأكثرية في أي بلد يمكنها أن تقرر من هم الأجانب، فالقضية قضية قوة...5 والقوة تسبق الحق" كما قال هيرتسل في الدولة اليهودية. وبالتالي لا بد من الحفاظ على أغلبية سكانية يهودية حتى تحمي مصالح اليهود وتستطيع رسم سقف مطالب الأقلية العربية من خلال مؤسسات الدولة. فلا يوجد ديمقراطية غربية واحدة تمارس داخل حدودها ما تمارسه إسرائيل.
لكن هل يوجد تطبيق للديمقراطية في داخل الأكثرية اليهودية، وهل تعالج التناقضات وفقا لحكم القانون، أم وفقا لموازين القوة في الصراع السياسي؟ وعندما تتربع نخبة معينة على سدة الحكم بناء على شعارات توراتية أو شعارات التعصب القومي، وتتبادل هذه النخبة الامتيازات؛ فماذا عن فساد الحكم أو الحكم الرشيد؟. وكيف ستستمر هذه النخبة في التعامل مع تناقضات بينة في المجتمع الإسرائيلي، مثل: اشكناز-سفارديم، علمانيين-متدينين، اشكناز وسفاديم-مزراحيم، علمانيين قوميين-متدينين تقليديين، متدينين قوميين-متدينين تقليديين...الخ؟ وكيف ستحل قضايا مثل الزواج المدني مقابل الزواج حسب التقاليد الدينية؟ وكيف سينعكس كل ذلك على تعريف من هو يهودي؟ وهل تنشأ عن ذلك قومية إسرائيلية؟ من المبكر الحكم على المجتمع المتشكل من قارات العالم كله، ومن أصول اثنية وبيئات ثقافية مختلفة، حيث لا زال يستمد تماسكه من العداء للآخر من جهة، ومن المصلحة في الحفاظ على المصالح الاستعمارية والامتيازات الناشئة عنها من جهة ثانية.
من هنا تحاول النخبة الصهيونية الحاكمة في إسرائيل استغلال الوضع الحالي الذي يتسم بحالة انقسام فلسطيني وعربي واختلال كبير في موازين القوى؛ من أجل فرض مطالب عنصرية على أجندة العمل السياسي والعلاقات الخارجية وخاصة تجاه الشعب الفلسطيني والدول العربية؛ لا لشيء سوى تعزيز النظام الاستعماري العنصري ألإحلالي لتحقيق المزيد من الامتيازات الاستعمارية؛ وإبعاد شبح التهديد الديمغرافي، أي للحفاظ على الأكثرية السكانية اليهودية ضمن الحدود التي ستعرفها إسرائيل لنفسها، في أية تسوية سياسية مستقبلية؛ وهذا هو الهدف الأساس للتسخين في الخطاب السياسي حول الاعتراف بدولة يهودية.
وعليه، يكون طرح الحكومة الإسرائيلية لهذا الموضوع على أجندة العمل السياسي؛ هو للتخلص من المأزق الخارجي السياسي أولا؛ ومما يساعد في تسكين الأزمات الداخلية، على أساس أن تحقيقه يمثل مكسبا لكل ألوان الطيف الصهيوني على اختلافها؛ وبالتالي، لن تكون إسرائيل مضطرة في القريب العاجل أن تعالج خيارات صعبة وملحة. وبناء عليه؛ فإن دولة إسرائيل الآن تسعى للاستفادة من الفرص المتاحة الناتجة عن ضعف المحيط العربي وهشاشة الوضع الفلسطيني، تاركة نقاط ضعفها لتعالج في وقت آخر، وهذا تصرف في محله تماما؛ لكن لا أحد يعلم مدى فرص النجاح في عالم سريع التغير؛ فالمصالح التي تقود السياسيين تذهب في هذا الاتجاه بغض النظر عن أية تنظيرات فكرية أو قانونية أو أخلاقية، والقوة متوفرة الآن بيد إسرائيل، فلماذا لا تستفيد منها، حتى لو كانت تعني المزيد من العنصرية المغلفة بالديمقراطية التي تقف على قدم واحدة، فالعالم الغربي وخاصة الولايات المتحدة؛ لا زالوا ينظرون لإسرائيل بأنها دولة مقبولة وأنها تخدم مصالحهم، وعلى الأقل هي بيدهم في نهاية المطاف.
ذلك يعفينا من الدخول في نقاشات نظرية عن ظهور القوميات وظهور الديمقراطية ونظريات الحكم، لأن هذه الأفكار قامت في حينها على مبادئ وفق أتون صراعات مع نظم الحكم السابقة، وفي سياق تاريخي محدد في كل بلد وبلد، وقصد من الديمقراطية أن تكون طريقة في الحكم لتحقيق "حكم الشعب"، أي تحقيق وتجسيد مبدأ الحرية والمساواة لجميع المواطنين، ونشأ عن ذلك اجتهادات حول الطرق والأشكال الأنسب لتحقيق "كيف يحكم الشعب نفسه؟"، واختلفت الأشكال باختلاف مستوى تطور وظروف كل مجتمع، وسواء كانت برلمانية تمثيلية، مجالس شعبية، جمعيات وطنية، لجان جماهيرية ...الخ ملكية دستورية، أم جمهورية؟ يظل سؤال الديمقراطية المهم، هو ما هي وسائل وطرق المشاركة وكيف يمكن تنظيم الشعب وتنظيم مشاركته في صناعة القرار؛ وكل ذلك بهدف تحقيق الحرية والمساواة لجميع المواطنين بدون تمييز، وبموجب دساتير وقوانين ولوائح، تضمن وتحمي مبدأ حرية الرأي والمعتقد، وحرية التعبير والمشاركة في كل شأن من شؤون الحياة العامة؛ وبهذا المعنى؛ فإن نظام ومؤسسات الحكم في إسرائيل؛ هي مؤسسات عنصرية تتناقض مع الديمقراطية فيما يخص السكان الأصليين. ومن الجانب الآخر، وهي أقرب للنظام الشمولي المرن الممزوج ببعض الغموض فيما يخص المجتمع اليهودي في إسرائيل، وبما يتعلق بالطوائف اليهودية في الدول الأخرى.
* باحث وكاتب فلسطيني، ناشط في حركة العودة، رئيس سابق لمجلس إدارة مركز بديل.
[1] مجلة الدراسات الفلسطينية، أنظر/ي الرابط: http://www.palestine-studies.org/files/word/mdf/5073.doc (زيارة الموقع، 4 تشرين أول، 2009.
[2] بنيامين نتنياهو، من خطابه أمام الجمعية العامة يوم 25/9/ 2009، وكالة معا الإخبارية عن جريدة هآرتس، http://www.maannews.ned (دخول الموقع، 26/9/2009)
[3] نفس المرجع السابق.
[4] المرجع في حاشية رقم واحد أعلاه.
[5] ثيودور هيرتسل، "الدولة اليهودية"، مترجم للعربية، طبعة ؟، ص7.




