BADIL

  • increase font size
  • Default font size
  • decrease font size
Home haq alawda جريدة حق العودة - العدد 38 ما هي صور التعبير عن النكبة في الادب الفلسطيني قديماً وحديثاً، وهل هناك فرق بين الاثنين؟

ما هي صور التعبير عن النكبة في الادب الفلسطيني قديماً وحديثاً، وهل هناك فرق بين الاثنين؟

بقلم: د. عبدالفتاح القلقيلي (أبو نائل)*

الأديب (شاعر أو قاص) لا يكون اديبا الا بمقدار ما يكون ابن عصره، ويكون ابن عصره بمقدار ما يستطيع تشخيص الحالة التي يعيش في اطارها. والتشخيص ليس مجرد وصف، انه اوسع واعمق من ذلك. التشخيص دراسة معمقة لمكوّنات الحالة ولصيرورتها، اي كيف تكوّنت والى اين تسير. والفرق بين الدراسة المعمقة التي يعكسها الادباءُ وتلك التي يقوم بها الدارسون والباحثون أن الاولى تأتي كإشارات، أوتلميحات، أوايحاءات.

 

النكبة كانت موضوعا مُتناولا في الادب العربي حتى كاد ان يكون "نوعا ادبيا" ابتداء من نكبة الشيعة عام680م وحتى النكبة الفلسطينية عام 1948، مرورا بنكبة الاندلس عام 1492، وغيرها من النكبات. وقد اصدر اتحاد الكتاب العرب كتابا بعنوان "ادب النكبة في التراث العربي" لمحمد حمدان عام 2004.

إذا اصاب الخراب فكرة الذاكرة الوطنية انعطب المهزوم الى الأبد، كما يقول فيصل دراج. ولذلك فان استعادة ما قبل النكبة هو "بكيفية ما مرتكز الرفض للحاضر على مستوى الصيرورة، ومتكأ الكشف عن مفهوم المستقبل،" كما قال انطوان شلحت في الاجابة على ذات السؤال عام 2007.

والأدب بشكل عام هو اعادة بناء الزمان والمكان. والادباء عامة يعيشون في الزمان والمكان، اما الاديب الفلسطيني فان الزمان والمكان يعيشان فيه، وبذلك نلاحظ مع انطوان شلحت "تصعيد السيرة الذاتية الى مستوى الاثر الادبي" عند الادباء الفلسطينيين حيث يُعاد بناء الزمان والمكان، ومن امثلة ذلك شهادة فيصل حوراني في "دروب المنفى" في مجلداته الخمس (من "الوطن في الذاكرة" الى "اين بقية الحكاية").

واذا جاز لنا ان نقسّم الادب الفلسطيني الى قديم وحديث، فان القديم هو ما كان قبل النكبة، والحديث هو ما بعد الثورة؛ والوسط هو ما بينهما. كان القديم تحذيرا مما سيأتي، فكان الادباء الفلسطينيون كخبراء الارصاد السياسية؛ حيث توقعوا العواصف والزلازل والانهيارات. وكان على راس هؤلاء من الشعراء ابراهيم طوقان، في قصيدته التي يخاطب فيها الزعماء ساخرا حيث يقول:
"وبيان" منكم يعادل جيشاً بمعدات زحفه الحربية
"واجتماع" منكم يرد علينا غابر المجد من فتوح أمية
وخلاص البلاد صار على الباب وجاءت أعياده الوردية
ما جحدنا "أفضالكم" غير أنّا لم تزل في نفوسنا أمنية
في يدينا بقية من بلاد فاستريحوا كيلا تطير البقية

وطبعا لم يستريحوا، بل واصلوا مع اولادهم وربما احفادهم، فطارت البقية!!
وكذلك في قصيدته التي يخاطب فيها حانقا المواطن العربي في فلسطين خصوصا وفي الوطن العربي عموما:
أمامك أيـها العربيُ يومٌ تشيب لهولهِ سودُ النواصي
وأنت كما عهدتك، لا تبالي بغير مظاهر العـبـثِ الرّخاصِ
مصيرك بات يلمسه الأداني وسار حديثـهُ بين الأقاصيَ
فلا رَحـبُ القصورغداً بباقٍ لساكنها ولا ضيق الخصاصِ

لنا خصمان: ذو حوْلٍ وطوْلٍ وآخر ذو احتيالٍ واقتنـاصِ
تواصوا بينهم فأتى وبالا وإذلالاً لنا ذاك التواصي
مناهجُ للإبادة واضحاتٌ وبالحسنى تنفـذُ والرصاصِ

واني لأرى وكأن هذه القصيدة التي كُتبت قبل 75 عاما تصلح ان تُكتب من جديد عام 2010 حيث يرفض الطرف الفلسطيني "مواصلة" المفاوضات مع مواصلة "اسرائيل" الاستيطان والحصار والاسر والقتل اليومي.

اما القاصون فكان على رأسهم اسحق موسى الحسيني الذي كانت روايته "مذكرات دجاجة" عام 1943 تتحدث عن القتال الذي سيحصل، والتسوية التي ستكون اقسى من القتل على اصحاب الارض. وعندما "طفحَ كيلُ الزعيم"، وكاد ان ينقضّ على كبيرة الغرباء، وقال الزعيم لدجاجته المعتدلة: "نحن بين امرين: اما ان نتنازل عن مأوانا، او ان نتمسك به ونطرد الغريبات" (ص151)، ولكن الدجاجة المعتدلة ضاعفت دلالها على الزعيم، واحاطت عنقه بذراعيها رافضة استعمال القوة، واقترحت ان يخوضوا المعركة اعلاميا فقط، ويبشروا "الخلقَ بالخضوع للحق وحده" (ص153)، فاستسلم الزعيم لها؛ فتشرّدت الدجاجات (بمن فيهم المعتدلة) والزعيم. ألا تصلح تلك الرواية ان يعيد كتابتَها احدُ احفاده بعد 67 عاما؟

أما عن فترة الوسط ما بين النكبة وانطلاقة الثورة، فان نكبة فلسطين (عام 1948) لم تُعق تطور مكونات المجتمع الفلسطيني وحسب، بل حرفته باتجاه اللاكيان والتشتت، او لنقل "دمرت نواة المدنية الحداثية" (كما يقول عزمي بشارة)، وبذلك تميز الادب الفلسطيني بالشكوى والحنين الى الوطن.

يقول يحيى حبش (صخر) عام 1955:
الكوخ والقنديل والدم والسعال
والآهة الحرّى تُردد في الظلام
والهيكل العظمي يفترش الرمال
لِمَ يا ابي دوما نجوع؟!!
ووكالة الغوث "الرحيمة" ترتدي ابهى الثياب
مختالة هوجاء تمخر في السراب
اما الادب الفلسطيني الحديث فيقلع عن الحزن ويجسّد الغضبَ بانطلاقة الثورة، حيث اشتعلت الجبهة الثقافية والأدبية والفنية الفلسطينية بأصوات درويش والقاسم ودحبور وخالد أبو خالد ومي صايغ ومريد البرغوثي وأبو الصادق شعراً، وغسان كنفاني وإميل حبيبي وتوفيق فياض ويحيى يخلف ورشاد أبو شاور رواية وقصة، ومصطفى الحلاج فناً تشكيلياً، ومصطفى أبو علي أفلاماً سينمائية، وهاني جوهرية تصويراً.

هذه الأصوات (كما يقول الناقد نزيه ابو نضال) ارتبطت بدرجة أو بأخرى بالممارسة الحية في إطار الثورة الفلسطينية، والنضال اليومي ضد الاحتلال وبين صفوف المقاتلين والجماهير وهذه الممارسة لا بد أن تعكس نفسها بصورة ما على الإنتاج الفني.

فنرى مريد البرغوثي يقول:
لا حق لي في الحزن... لكني محق في الغضب
لا!! ليس حزنا ما يرجرج زيزفونَ الروح بل غضب
اراه شخصا وله قوام

----------------------------
* عبد الفتاح القلقيلي (ابو نائل): كاتب وباحث فلسطيني، الأمين العام للمجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في م ت ف.