BADIL

  • increase font size
  • Default font size
  • decrease font size
Home haq alawda جريدة حق العودة - العدد 18 المــرأة الفلسطينيــة اللاجئــة:

المــرأة الفلسطينيــة اللاجئــة:

بقلم: أنــور حمـــام

حضــورٌ أكيــدٌ فــي إعــادة الإنتــاج المجتمــعي والثقافــي

جاءت النكبة كحدث تاريخي لتدمر كافة معالم الحياة الفلسطينية على أرض فلسطين، ولتطال في تدميرها على نحو خاص شكل العلاقات والتركيبة الاجتماعية وبناها التقليدية والأبعاد الاقتصادية والديمغرافية، على اعتبار أن الأرض هي وسيلة الإنتاج التي تتمحور وتدور حولها كل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. فبعد النكبة مباشرة وبعد أن وجد اللاجئون أنفسهم في العراء وبعيدا عن أراضيهم وبيوتهم ومصادر رزقهم وأملاكهم، هذا الأمر دفعهم للعمل على إعادة إنتاج كل العلاقات والثقافة والقيم داخل ملاجئهم الجديدة، التي ما كانت لتحدث لولا قوة الضمير الجماعي الفلسطيني والذي لعبت المرأة الفلسطينية اللاجئة دوراً أساسياً في إحيائه وتأكيد حضوره.

المـــرأة اللاجئــة وثقافــة الخصوبــة

لقد خاضت المرأة الفلسطينية اللاجئة "المعركة" الديمغرافية بجدارة واقتدار. فلا زال كل مفكري وقادة إسرائيل يبحثون وبشكل جدي عن الطرق التي تجنبهم مسألة "الحسم الديمغرافي" على أرض فلسطين. والحديث عن الخصوبة الفلسطينية لا يمكن النظر لها بعيدا عن الحالة الفلسطينية ذاتها التي خضعت منذ العام 1948 لسلسلة من الانهيارات الديمغرافية جراء الاجتثاث والتهجير القسري للشعب الفلسطيني، الأمر الذي دفع إلى الاعتماد على "مؤسسة الإنجاب" باعتبارها عنصرا فاعلا في مواجهة الديمغرافيا الإسرائيلية، مما أدى إلى تطور نسب الخصوبة بشكل يفوق ما هو موجود في إسرائيل وسائر الدول العربية، حيث تصل معدلات الخصوبة في مخيمات اللجوء إلى نحو 6 % . تدعم هذا السلوك الإنجابي دينيا فكرة الاعتزاز بالأبناء على اعتبار أن الأطفال هم "زينة الحياة". وقد تعزز ذات السلوك نضاليا حيث ظهرت مفاهيم "أطفال الحجارة، وأطفال الـ " أر بي جي" وغيرها ممن أكدت على أهمية الإنجاب والأولاد باعتبارهما إستراتيجية من استراتيجيات البقاء. ويمكن القول أن التنشئة الاجتماعية الفلسطينية بعد النكبة بنيت على إرادة الإنجاب التي أظهرها الشعب الفلسطيني، الأمر الذي أدى إلى تضاعف الشعب الفلسطيني ما يقارب الخمس مرات منذ نكبة فلسطين في العام 1948، وليبرز المجتمع الفلسطيني كمجتمع فتي على نحو مميز. وفي مستوى آخر أضحت ثقافة الخصوبة نوعا من الاستثمار بعد فقدان مؤسسة الأرض، حيث بدأ التوجه للتعليم كبديل وكوسيلة إنتاج جديدة، ولكن ظلت الأرض حاضرة وبكثافة في الخيال والضمير الجماعي الفلسطيني.

المــرأة والنضـــال

داخل المخيمات وخارجها (في الوطن والشتات) أظهرت المرأة الفلسطينية عموما واللاجئة على وجه الخصوص حالة فريدة وفذة من المقاومة. فقد شاركت وبجدارة في كل مراحل وأشكال النضال الفلسطيني جنبا إلى جنب مع الرجل وكانت حاضرة في جميع الانتفاضات والثورات. لقد أسهم حضور المرأة نضاليا إلى تعزيز دورها المجتمعي مما مكنها من أن تفكك على نحو ما  شكل العلاقات التقليدية – السلطوية داخل الأسرة، ولتصبح العلاقة مع الزوج قائمة على التبادل والمشاركة. ولم يعد يقتصر دور المرأة في مهامها التقليدية المنزلية، بل اتسعت رزمة أدوارها لتطال المجال الكفاحي والسياسي والعسكري والفكري والإبداعي، وفي هذا السياق تأتي قائمة طويلة من النساء الفلسطينيات اللاجئات اللواتي أبدعن في عملية المقاومة، ومنهن من قضين شهيدات، ومنهن من سجنّ واعتقلن أو أصبن.

وشاركت المرأة اللاجئة منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي بشكل فاعل في تأسيس الأطر النسوية، كاتحاد لجان العمل، و اتحاد لجان المرأة العاملة، واتحاد لجان المرأة للعمل الاجتماعي، و لجان المرأة الفلسطينية.  كما لعبت المرأة اللاجئة دورا أساسيا في حماية الثقافة الفلسطينية ببعدها الشامل فنفحت الروح الوطنية في التراث والتقاليد والأعراف فأحيت بذلك الذاكرة وأنشأت قيما مجتمعية ووطنية راسخة. تماماً كما عبرت عنها وثيقة الاستقلال بأنها ": حامية أحلامنا ونارنا المقدسة".

المــرأة اللاجئــة والصــراع الاجتمــاعي

لا تعني مشاركة المرأة المبكر في الحياة النضالية حل كل أمورها الاجتماعية على أكمل وجه، بل وبشيء من الجرأة الاجتماعية يجب الاعتراف بأن المرأة داخل المخيمات ورغم التطورات والمعطيات التي طرأت على بنية المجتمع داخل المخيمات، فقد ظل الواقع يزخر بظواهر متعددة لاستلاب المرأة حقوقها ومحاصرتها وأحيانا تقزيم دورها انطلاقا من نظرة تقليدية قاصرة. فالموروث الاجتماعي كان بجزء منه لا يسهل عملية امتلاك المرأة لحريتها، وقيادة مصيرها، بل يعزز من مفاهيم التمييز ضد المرأة، وفي ذات الوقت، المرأة اللاجئة وبسبب وعيها لأولويات الصراع، قامت بادوار أساسية في الحفاظ على الموروث الاجتماعي الفلسطيني والثقافي للشعب الفلسطيني. وبسبب الوعي لأولويات الصراع لم يكن أمام المرأة اللاجئة من خيار إلا تقديم الأجندة السياسية في عملها داخل اللجان والأطر الفاعلة في أوساط اللاجئات على حساب الأجندة الاجتماعية. فالتحرير والمقاومة وإقامة الدولة وعودة اللاجئين وتقرير المصير وتحرير القدس كلها أهداف كبرى تراجعت أمامها المطالبات بالمساواة وحقوق المرأة، وظل الاعتقاد السائد بأن التحرير هو الطريق المؤدي نحو مزيد من الحريات والمساواة الاجتماعية بين الرجل والمرأة.

لقد أدى تراجع الفعل السياسي لكافة التنظيمات السياسية داخل أوساط اللاجئين بعد العام 1993 إلى تراجع أدوار المرأة اللاجئة في مجمل النواحي السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية. كل ذلك آل بالتالي إلى مزيد من التمييز الاجتماعي ومن عدم المساواة. ولا زالت المرأة اللاجئة في المخيمات وخارجها تعاني من مظاهر استلاب وعنف تطال عدد من  المستويات النفسية والجسدية. ويزيد من معاناة المرأة اللاجئة الأوضاع الاجتماعية السكنية والصحية التي تعيشها المخيمات، وحالة الفقر والبطالة، والجدار العنصري وتأثيراته على الاقتصاد، وإغلاق أسواق العمل.  

حركة العودة والنساء اللاجئات


بصراحة مطلقة، يجب الاعتراف هنا أن الدور الذي تقوم به المرأة في إطار حركة العودة لا زال ضعيفا، ومشاركتها أيضا لا تعبر بالمطلق عن مكانتها وحجمها وقدرتها وما هو مأمول منها. وهنا يلاحظ أن تمثيلها داخل اللجان والمؤسسات الفاعلة في إطار حركة العودة لا زال ضعيفا وفي الكثير من الأحيان معدوما. وربما يمكن القول أن دورها قد اختزل في إطار المراكز النسوية في المخيمات والتي لا تزال تلعب دورا متواضعا في أوساط الفتيات والنساء في المخيمات.

المطلوب من حركة العودة أن تضع في صلب أجندتها موضوع المرأة اللاجئة كفاعل أساسي في حياة اللاجئين، عبر شراكة حقيقية، والبحث عن آليات لتحفيز وتسهيل عملية انخراط المرأة في إطار حركة العودة ومؤسساتها وهياكلها، وعدم الاكتفاء بالنخب النسوية، لأن المطلوب أن تمارس المرأة اللاجئة العادية دورها الطبيعي في هذا الإطار.  

إن على حركة العودة أن تعزز كذلك البحث والنقاش حول مواضيع المرأة اللاجئة، كحقوق المرأة اللاجئة، ونظرة وكالة الغوث للمرأة وعلاقة ذلك بمفاهيم حقوق العودة والتعويض، وعلاقة ذلك بتحديد من هو لاجئ تشكل احد مظاهر الاستلاب التي تعاني منها المرأة داخل المخيمات وفي أوساط اللاجئين. إن على حركة العودة أن تعزز فرص مشاركة المرأة السياسية والنقابية والاجتماعية والثقافية، وإشراكها في تصميم وإدارة النشاطات والفعاليات الإنسانية بحيث تتهيأ لها الفرصة الكاملة التي تمكنها من أداء دورها المحوري جنبا إلى جنب مع الرجل.

_____________________

أنور حمام هو باحث في شؤون اللاجئين الفلسطينيين، وهو عضو مجلس إدارة بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.