جريدة حق العودة - العدد 17

 

اضغط هنا لتحميل هذا الاصدار

المفـوض العـام لوكالــة غــوث وتشغيــل اللاجئيــن الفلسطينييــن

التابعــة للأمــم المتحــدة-الأونـــروا

بحلول الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة نواجه في الأراضي الفلسطينية المحتلة أزمة كبرى. فقد أصبح الصراع المزمن نفسه تحديا بالنسبة للجميع. ولكن في الوقت الراهن فإن غموض المستقبل وعدم قدرة أي منا على التنبؤ بما قد يحدث هو مشكلة هائلة.  لقد مرت أزمنة بدت فيها الظروف العامة واعدة، كما كان الحال في السنوات الأولى بعد اتفاقيات أوسلو حيث نقلت الوكالة مقرها من فيينا إلى غزة مع تسليمها للسلطة الوطنية الفلسطينية. وبعدها اعترضت بعض العقبات عملية السلام التي تزامنت مع الانتفاضة الثانية والتدهور الحاد في الوضع الإنساني.

"سُبحانَ الّذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسجِدِ الْأَقْصَى الَّذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَهُ هُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ" (سورة الإسراء، آية 1)
مما لا يخفى أن اليهود طامعون في فلسطين منذ قرون مضت، وقد عقدوا عدة مؤتمرات سرية، و ذلك لوضع خطط إستراتيجية لتحقيق مأربهم والتهام الأرض الفلسطينية، وطرد وتشتيت الشعب الفلسطيني صاحب الحق الشرعي.
فمنذ القرن التاسع عشر للميلاد حاول اللوبي الصهيوني الضغط على السلطان التركي عبد الحميد الثاني (كان حكمه للدولة العثمانية من العام 1878 وحتى العام 1909م) للسماح لليهود بالهجرة الى فلسطين ولإقامة مستعمرة يهودية فيها.

في ذكرى نكبة شعبنا الفلسطيني لهذا العام، كما في كل عام نجدد تأكيدنا على تمسكنا بحق العودة الى كافة البلدات والقرى الفلسطينية التي أُقتلع منها شعبنا إقتلاعاً وعومل بقسوة متناهية النظير وشرد الى أصقاع شتى. فهذه النكبة هي ماثلة أمامنا في كل حين لأن تداعياتها ونتائجها نراها في كل يوم وفي كل ساعة. فها هي المخيمات الفلسطينية منتشرة هنا وهناك تدلنا على شعب نُكبَ وطُردَ من وطنه ومن أرضه ولعل المخيمات الفلسطينية في الداخل والخارج هي أبرز شهادة حقيقية على نكبة شعبنا وتداعياتها إضافة الى أولئك الذين هُجّروا الى بلاد الاغتراب المختلفة ولسان حال الجميع يقول متى سنعود الى أرضنا وفلسطيننا الحبيبة.

قضية اللاجئيـن الفلسطينييـن ومفاوضــات الســلام 

ترى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ تأسيس دولتها – على أراضي اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم تحت وطأة المجازر وتهديد السلاح على يد العصابات الصهيونية عام 1948 - أن استمرار الوجود السياسي للشعب الفلسطيني إنما يحمل في طياته استمرار الصراع، واستمرار تنامي الوجود الفلسطيني، ومطلبه المشروع غير القابل للتصرف في العودة وتقرير المصير بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس؛ لذلك أعلنت تلك الحكومات  الحرب العسكرية الشاملة على القضية الفلسطينية  لطمس القضية الفلسطينية، ومسحها عن الخارطة السياسية في العالم إلا أن محاولاتها باءت بالفشل فلجأت عبر المفاوضات لتمرير مشاريعها التصفوية، ولكن هل استطاعت الحكومات الإسرائيلية من تحقيق ذلك؟ ستكون إجابتنا على هذا السؤال من خلال طرحنا الموضوعي لما جرى في مفاوضات السلام منذ إنطلاقتها وحتى بداية انتفاضة الأقصى.

هنالك من يتعاطى مع حق العودة باستحياء وبشيء من الحرج وكأنه يتخبط في حقل ألغام. وهناك من يتطوع حتى بدون تفاوض رسمي فلسطيني إسرائيلي، لوضع حلول "اجتهادية" لموضوع اللاجئين ويخفض-من حيث قصد إن لم يقصد– سقف أي تفاوض مستقبلي حول حق العودة. 

لا شك أن حق العودة يشكل الملف الأكثر استعصاءً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ولكن التطوع المبتذل والنطنطة الزائدة المذكورين لا يجعلا هذا الملف أقل صعوبة بالنسبة للاجئين أنفسهم من ناحية، ولا يجعل التداول في حق العودة أكثر قبولا عند الإسرائيليين من ناحية أخرى. 

لا شك أيضا في السياقات الدولية والإقليمية أن مساحة إمكانية التقدم في موضوع العودة في موضوع الدولة والاستقلال أكبر من مساحة امكانية التقدم في موضوع العودة. وهذا بذاته يتطلب التقدم بموضوع الدولة، ولكن قطعاً ليس بثمن إغلاق ملف العودة. إن حق العودة يتعرض لمحاولة اغتيال وشطب من أجندة الصراع.

سجــن بئر السبع، قسم إيشيل

لعل ما يميز الذكرى السنوية الثامنة والخمسين للنكبة هي جملة المعطيات والتحولات الكبرى التي أفرزها الواقع لدى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على حد السواء. فلسطينيا حدثت انتخابات تشريعية هي الثانية من نوعها، بعد تلك التي أجريت في العام 1996. هذه الانتخابات الثانية أدت الى تحول غير متوقع في النظام السياسي برمته، ففوز حماس شكل ضربة موجعة لكل دعاة التسوية عبر إمكانية إقامة دولتين لشعبين، وأعطت شرعية لخيار المقاومة، وشكلت ضربة لكل من أساء استخدام السلطة طوال العشر سنوات الماضية. ولكنها في ذات الوقت، وضعت حركة حماس أمام جملة من الأسئلة المحرجة التي لم تجب عليها لغاية اللحظة بل تحاول الالتفاف عليها كلما طرحت، وأهمها كيفية إدارة المقاومة والسلطة في آن، وما هو مشروعها المرحلي، وموقفها الواضح والصريح من الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، وهل هي حقا قادرة على الالتزام بكافة متطلبات السلطة في الوقت الذي يشتد الحصار عليها يوما بعد يوم.

ثمانية وخمسون عاماً كافية لاختبار الذاكرة...وهي لا تميل الى الماضي بقدر ما ترصد حركة الحاضر وتحرس الهوية وتصوغ الحلم وتضمن المستقبل...الذاكرة الفلسطينية هي الفضاء الذي يلتقي فيه الأشتات، وتلتئم  الأشلاء وتجتمع الأجيال، ويعود فيه الشهداء لعناق أحبابهم. 

لم يكن رهان الغاصب على قوة الدبابة في المقام الأول، فهذه رهينة النظر في المتغير. وإنما كان الرهان الإستراتيجي على قمع الذاكرة وإطفاء الحلم وتذويب الهوية وتقويض الروح...فهذه هي الأصول التي، ما دامت حية ضاربة في الأرض، فلا بد أن تطرح ثمرها في آخر المطاف، وإن تأخر الموسم.

 يبقى العام 1948 من أهم الأعوام بالنسبة للجنوب أفريقيين وللفلسطينيين. ففي كلتا الحالتين، خلق الاستعمار البريطاني الظروف الملائمة لممارسة التمييز والتفرقة العنصرية بحق الشعوب والسكان الأصليين. لقد شهد العام 1948، ولادة نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا وكذلك إنشاء دولة إسرائيل العنصرية على أرض فلسطين.

في كلتا الحالتين أيضاً، رأى كل من الحزب الوطني "الأبيض" والحركة الصهيونية نفسيهما على أنهم "صفوة شعوب الأرض" أو "شعب الله المختار". هاتين المجموعتين وظفت المفاهيم الإنجيلية والتوراتية لخدمة أطماعهم في الأرض بحيث آمنوا بأن الأرض كانت لهم وأنها الآن "أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض". 

نحن نعلم حتى الآن بأن دولة إسرائيل العنصرية قد أنشأت من خلال ارتكاب سلسلة من المجازر والانتهاكات بحق الكثير من القرى والبلدات الفلسطينية (مثل قرية الطنطورة ودير ياسين) وتدمير ما يزيد عن 530 منها. لقد تم في العام 1948، تهجير ما يزيد عن 750 ألف فلسطيني قسراً من منازلهم وقراهم بهدف خلق الظروف الديموغرافية المواتية لإنشاء دولة مقتصرة على اليهود من قبل الحركة الصهيونية. أما الفلسطينيون الباقون فقد أنكر حقهم في أرضهم دون أي تعويض. نتيجة لتلك الانتهاكات، يشكّل اللاجئون الفلسطينيون المجموعة الأكبر في العالم في تاريخنا الحديث.

تطهيــر فلسطيــن عرقيــاً في العام 1948

لسنوات طويلة بدا مصطلح النكبة – الكارثة الإنسانية – مصطلحا كافيا لتقديم (وصف) كل من أحداث العام 1948 في فلسطين وتأثير تلك الأحداث على حياتنا اليوم. أعتقد أن الوقت قد حان لاستخدام مصطلح آخر وهو التطهير العرقي في فلسطين. فمصطلح النكبة لا يتضمن أي إشارة مباشرة إلى من يقف وراء الكارثة – بمعنى: يمكن لأي شئ أن يسبب دماراً في فلسطين ويمكن أن يكون ذلك الفلسطينيون أنفسهم. لكن لن يكون الأمر كذلك عند استخدام مصطلح التطهير العرقي، فهذا المصطلح يتضمن اتهاماً وإشارة مباشرين إلى مرتكبيها، ليس فقط في الماضي وإنما في الحاضر أيضا. والأهم من ذلك بكثير أنها تربط سياسات، مثل تلك التي أدت إلى دمار فلسطين في العام 1948 بأيديولوجية معينة. وحيث أن تلك الأيديولوجية ما زالت الأساس لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين أينما حلّوا -أي حيث تتواصل النكبة- أو بتعبير أكثر دقّة وقوّة حيث يتصاعد التطهير العرقي. بحلول الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة، آن الأوان لاستخدام مصطلح التطهير العرقي بوضوح ودون أي تردد، باعتباره أفضل مصطلح قادر على وصف عملية طرد الفلسطينيين في العام 1948.

حين كنا نضيق بثيابنا وبواقعنا "الأليم"، كان احتجاجنا يتم بطريقة غنائية، وبمفردات ثورية حالمة، مفردات تمردت على السأم، وتجرأت على اتهام الجيل الذي سبقنا بالتخاذل والتقصير ازاء الوطن الذي تسرب من بين ايديهم ، وتبعثر في زحام البحث عن النجاة والحياة في زمن تكالب الاقوياء  فيه على الضعفاء، في عقر دارهم.. كان الآباء والأجداد، يتفهمون نزقنا وضيقنا "الوجودي والثوري" في آن معا، فيقولون لنا، بصبر الآباء وحزن الانبياء: البركة فيكم. ثم يصمتون، فنهدأ نحن ونزهو بانتزاعنا اعترافهم العلني بالذنب! لكننا لم نكن نلتفت الى ما تبقى من اجابة الآباء والاجداد، كأن اعترافهم بضياع البلاد هو الموضوع ، اما استعادتها فمسألة اخرى، فيها نظر.

الآن، ونحن في ذكرى ضياع تلك الارض، أثر نكبة أو وعكة ألمت بنا وبأمتنا فطرحتنا وطرحتها ارضا، نكتشف ان ما كان يهمنا هو ان نزيح عبء القضية عن كواهلنا، وان نبحث عمن نحمّله مسؤولية نكبات الوطن ونكساته، ربما لاننا لم نستطع التمييز بين المؤمنين والمقامرين، بين الشهداء وقتلى الاشتباكات على مراكز نفوذ يقف على ساق واحدة، وربما لاننا اردنا ان نتفرغ للتغني بالقضية، والانشغال عنها بتفاصيل ثرثراتنا واستعراضاتنا السياسية والثقافية، وخلافاتنا حول الواقعية، واولويات النضال الملتبس، وكيفيات السير في المسارب الضيقة، دون الوقوع بين اشواك الحقيقة والغامها !.